·…اختلاف المعاصرين في توجيه كلام الإمام البخاريّ:
قال فوزي البحريني في «جزء فيه تخريج حديث صوم يوم عرفة»: (ص 31 - 32): "وهذا صريحٌ من الحافظ البخاريّ في تضعيفه للحديث وذلك لإعلاله بالانقطاع، ولذلك لم يخرجه في صحيحه. وقول البخاري هذا ذكره الحافظ الذهبي في الميزان، وابن حجر في التهذيب في ترجمة عبدالله بن معبد الزماني، ولم يتعقباه بشيء ... وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في المغني في الضعفاء: (عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة، ثقة، قال البخاري: لا يعرف له سماع منه). وأما ما ذكره الحافظ الذهبي في ديوان الضعفاء بقوله: (قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبي قتادة، قلت: - الذهبي - لا يضره ذلك). قلت: وقوله (لا يضره ذلك) يعني بذلك بأنه يبقى ثقة ولا يضره فيما قال في إرساله الحافظ الذهبي فتنبه. وتوثيق الراوي لا يعارض تخطئته في حديث من حديثه في إرسال أو غيره فتنبه. ولذلك أورده في الضعفاء مع كونه ثقة وذلك لعدم سماعه من أبي قتادة" انتهى.
قلت: عبارة البخاري تدلّ على أن عبدالله بن معبد لم يسمع من أبي قتادة. ونقل الذهبي وابن حجر لعبارته دون تعقبه لا يعني أنهما يوافقانه على أن هذا الحديث معلول! فقد نقلت فيما سبق أن الذهبي وابن حجر يصححان الحديث، فكيف ننسب لهما قولاً لأنهما لم يتعقبا عبارة البخاري بعد نقلها؟! وعادتهما أنهما ينقلان في ترجمة الراوي ما ذكره أهل العلم، وليس بالضرورة أن يتعقبا كلّ شيء.
وأما تأويل البحريني لكلام الذهبي الذي قاله في الديوان فلو فرضنا صحته، فإن ذلك لا يعني أن الذهبي يرى انقطاع الحديث بدليل أنه صححه في آخر كتبه وهو كتاب السير كما نقلته عنه سابقاً.
قال الشيح الردادي في ردّه على البحريني في (دعوى عدم سماع عبدالله بن معبد من أبي قتادة، فالإسناد منقطع): "وكلام البخاريّ - رحمه الله- يُجاب عنه بما يأتي:
أ- قوله: (لا نعرف سماعه من أبي قتادة) يعني به: أنه لم يقف على التصريح بالسماع لا أنه حكم على عدم السماع، وإلا لقال: (لم يسمع منه)، أو قال: (مرسل) كما هي عادته - رحمه الله- وما أكثر قوله في التاريخ: (فلان لا أعرف له سماعاً من فلان)، فتأمل هذه العبارة، وكونه لم يقل: (لم يسمع)، ثم تأمل فائدة هذه العبارة وتكرار البخاري لها، فإنه ولا شك يرتب عليها حكماً، وهو التوقف في مثل هذا الخبر المعنعن، وليست هذه العبارة منه إخباراً محضاً.
ب- أن جماعة من الأئمة أثبتوا سماعه ولم يروا قول البخاري شيئاً، كما دلّ عليه صنيع من صحح حديثه: مسلم والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن جرير الطبري وابن عبدالبر وغيرهم، والمثبت مقدم على النافي كما يعلم، ولأنّ الإمام البخاري لا يكتفي بالمعاصرة، بل لا بد عنده من ثبوت السماع، وربما أخرج الحديث في "صحيحه" لبيان السماع ويكون الحديث لا تعلق له بالباب أصلاً كما هو معلوم من شرطه!
ج- إمكان اللقاء بين عبدالله بن مَعْبَد الزِّمَّاني وأبي قتادة فقد عاصره، فأبو قتادة - رضي الله عنه- توفي سنة 54 هـ على الصحيح ... وأمّا عبدالله بن معبد، فكانت وفاته كما قال الذهبي قبل المائة، وعلى هذا فإمكان اللقاء بينهما غير مستبعد، وهو ما اشترطه مسلم في "صحيحه" ونصره في "مقدمته"، وخاصة أنّه لا يُعرف عن الزِّماني تدليس، وعليه فالإسناد متصل!
د- أن ابن أبي حاتم والدارقطني ذكروا هذا الحديث في "العلل" مرجحين بين أوجه الاختلاف في أسانيده على غيلان بن جرير ولم يعلّوه بالانقطاع وعدم سماع عبدالله بن مَعْبَد من أبي قَتَادَة مطلقاً، ولو كانت هذه علّة لديهم لصاحوا بها ...
هـ- قال ابن حزم - رحمه الله-: "وقد تكلم في سماع عبدالله بن معبد الزماني من أبي قتادة". ثم أجاب عن هذا فقال - رحمه الله-: "وأما سماع عبدالله بن معبد من أبي قتادة؛ فعبد الله ثقة والثقات مقبولون لا يحل رد رواياتهم بالظنون".