قلت: فالحديث صحيحٌ عند كثيرٍ من العلماء ممن صرّح بذلك، أو نقله ولم يطعن فيه.
·…بعض من أعلّ الحديث من المعاصرين.
وقد أعلّه بعض المعاصرين معتمدين على قولٍ للإمام البخاريّ.
قال فوزي البحريني في «جزء تخريج حديث صوم عرفة» (ص 16)، (ص 19 - 21): "حديثٌ معلولٌ ضعيف"، ثُم خرّجه وقال: "وإسناد الحديث رجاله ثقات إلا أن عبدالله بن مَعبد الزّماني لم يصح له سماع من أبي قتادة، فهو إسنادٌ منقطعٌ ضعيفٌ. وأبو قتادة اختلف في وفاته فقيل مات سنة (28 هـ) وهذا هو الراجح. وظاهر صنيع الحافظ البخاري رحمه الله يدلّ على أنه مات بعد الخمسين فقد ذكر أبا قتادة في فصل من مات بين الخمسين والستين. وأما عبدالله بن مَعبد الزّماني فلم يُذكر له تاريخ ولادة، ولا تاريخ وفاة على وجه الدقة واليقين إلا أن الحافظ الذهبي رحمه الله قال: (مات قبل المائة). ولم يبين حجته في هذا، وأظنه قال ذلك تخميناً وتقريباً لأني لم أجد أحداً من العلماء ذكر لعبدالله بن معبد الزماني تاريخ وفاته. حتى الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله لم يذكر وفاته في التقريب. وقد نص الحافظ أبو زرعة رحمه الله أن عبدالله بن معبد الزماني: (لم يدرك عمر). فمعاصرة عبدالله بن معبد الزماني لأبي قتادة غير محتملة أو محتملة ولكن لا دليل عليها، ولا نستطيع تأكيدها والقطع بتحققها. ولذلك أعله الحافظ البخاري رحمه الله بالانقطاع. وذكره الحافظ العقيلي رحمه الله والحافظ ابن عدي رحمه الله والحافظ الذهبي رحمه الله في الضعفاء وذكره الحافظ العراقي رحمه الله في المراسيل اعتماداً على قول البخاري رحمه الله في سماعه من أبي قتادة وهو الصواب. فإسناد الحديث مداره على عبدالله بن معبد الزماني ولم يصرح بسماعه عند جميع الرواة الذين رووا الحديث. مما يتبين بأن الإسناد من قسم المراسيل، ذكره الحافظ العراقي في كتابه (تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل). ولذلك أنكر الحديث بعض أهل العلم. قال الحافظ الطبري رحمه الله في تهذيب الآثار (ج 1 ص 361): ( ... وإنكار بعضهم - يعني أهل العلم- الخبر الذي رُوي عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل صومه). اهـ يعني صوم يوم عرفة. قلت: وليس هذه أول علة تذكر في صحيح مُسلمٍ المحكوم عليها بالانقطاع والإرسال فتنبه" انتهى.
ثُم ساق قول الإمام البخاري وغيره في إثبات الانقطاع. وفي الكتاب الأصل الرد عليه بالتفصيل، وكذلك على ردّ الدكتور بسام الغانم، وكذا رد الردادي. وهنا ثمة ملاحظات على كلام البحريني:
1 - قوله: "وأبو قتادة اختلف ... والقطع بتحققها"! هو كلام الدكتور خالد الدريس في كتابه (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين) (ص 228)، نقله بحروفه البحريني ونسبه لنفسه! فهذه ليست أمانة علمية! [نبّه على هذا الدكتور بسام العطاوي في ردّه على البحريني (ص 20) (هامش 2، 3)، وقد تحرّفت سنة الوفاة (28 هـ)، والصواب: (38 هـ) كما قال الدكتور العطاوي].
2 - رجّح البحريني وفاة أبي قتادة سنة (38 هـ) وخالف البخاري الذي أورد وفاته بين (50 - 60)، وهو قد اعتمد على البخاري في إعلاله بالانقطاع! فتصرف البخاري أنه عاصره، ولكن يبقى استغرابه لرواية عبدالله بن معبد عن أبي قتادة!
3 - عدم التفاته إلى تقدير الذهبي لوفاة عبدالله بن معبد متابعاً الدريس لأنهما لا يعرفان مكانة الذهبي - رحمه الله- في هذا الفن! فكم من راو لم ينص أهل العلم على ولادته أو وفاته فقدّر الذهبي ذلك مستخدماً (علم الطبقات) فأصاب فيهم، فهو ذهبي عصره، وقد تتبعت كثيراً من هؤلاء الذين قدّر الإمام الذهبي وفاتهم فما أخطأ في ذلك رحمه الله.
وأما أن نقول: لم يبين حجته وأنه قال ذلك تخميناً! ففيه اتهام له بأنه يقول بلا حجة! ويُخمّن دون دليل! فمن عرفه حقّ المعرفة لا يقول ذلك أبداً، والله المستعان.