قلت: فتبيّن من هذا أن هناك سقط في مطبوع الطبري، سقط منه اسم: "عبدالله بن معبد الزماني".
ورواه الطبري في «تفسيره» (15/ 105) من طريق أبي العوام القطّان عمران بن داوَر، قال: أخبرنا قتادة، عن عبدالله بن معبد الزماني، عن عبدالله بن مسعود قال: «كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم: الجن، ويقولون: هم بنات الله، فأنزل الله عز وجل: أولئك الذين يدعون معشر العرب يبتغون إلى ربهم الوسيلة».
وأبو العوام ضعيف ولم يذكر عبدالله بن عتبة، وكذلك جعل هؤلاء من الملائكة، وهو خطأ بيّن لا يُتابع عليه. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: "وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ: "كَانَ قَبَائِل الْعَرَب يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ، وَيَقُولُونَ هُمْ بَنَات اللَّه، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة" فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَإِلَّا فَالسِّيَاق يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَام كَانُوا رَاضِينَ بِعِبَادَتِهِمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ صِفَات الْمَلَائِكَة".
ورواه عبدالرزاق في «تفسيره» (2/ 301) عن معمر عن قتادة مرسلاً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: «هُمْ قَوْمٌ عَبَدُوا الْجِنَّ فَأَسْلَمَ أُولَئِكَ الْجِنُّ» فَقَالَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
وكأنه للاختلاف في إسناد حديث قتادة لم يخرّجه البخاري، وإنما روى في «صحيحه» (4/ 1748)، باب أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة الآية، عن بِشْر بن خَالِدٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: «كَانَ نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا». ورواه مسلمٌ أيضاً من طرقٍ عن سليمان الأعمش عن إبراهيم، نحوه.
·…هل سمع قتادة من الزماني؟!
وهنا مسألة ملحة لا بدّ منها، وهي: هل سمع قتادة من عبدالله بن معبد الزماني؟! فهذا الحديث رواه عنه بالعنعنة، وحديث عرفة رُوي عنه عن عبدالله بن معبد مباشرة، ورُوي عنه عن عبدالله بن معبد بواسطة غيلان! فهل يُقال: إنه سمع حديث عرفة بواسطة غيلان، ثُمّ لقي عبدالله بن معبد فسمعه منه مباشرة؟
قد يستقيم هذا الفهم لو عمَّرَ قتادة بعد غيلان بن جرير، ولكن قتادة مات سنة (118 هـ)، وشيخه غيلان مات سنة (129 هـ)، وهذا يعني أنّ قتادة حدّث عن غيلان في حياة غيلان، فلو كان قتادة سمع من عبدالله بن معبد مباشرة، فلِمَ يحدِّث عنه بواسطة غيلان؟ والذي أميل إليه أنه لا يثبت لقتادة سماع من عبدالله بن معبدالزماني - مع المعاصرة المتحققة-، وإنما بينهما واسطة وهو "غيلان بن جرير" كما ثبت في إسناد حديث عرفة، وعليه فيكون حديث مسلم في تفسير الآية منقطعاً من حديث قتادة، والله أعلم. وكأن البخاري ومن تبعه كأبي حاتم وابن حبان اعتمدوا هذه الرواية في ترجمة عبدالله بن معبد، فذكروا أن قتادة روى عنه، وفي روايته عنه مباشرة نظر! ولم أجد له رواية عنه إلا في هذين الحديثين، الأول ثبتت فيه الواسطة، والثاني رُوي بأسانيد مختلفة كما سبق بيانه، والله أعلم وأحكم.
وأما ما رُوي عن قتادة عن عبدالله بن معبد دون واسطة - وهو حديث عرفة- فيحتمل أن قتادة عند ما ذكره أمام من رواه عنه لم يذكر الواسطة لأنه لم يكن في مجلس تحديث أو غير ذلك، فلم يحتج أن يذكر الواسطة، كما هو ملاحظ في الحديث الثاني الذي أشرنا إليه عند مسلم، فقد رُوي عنه متصلاً - كما هو ظاهر-، ورُوي عنه مرسلاً، وهو يتعلّق بالتفسير فكأنه رواه مرسلاً في مجلس التفسير، وهذا تنويعٌ في الرواية يستخدمه الحفّاظ الكبار، والله أعلم. ومع أن معاصرة قتادة لعبدالله بن معبد متحققة - كما أشرت سابقاً- إلا أن هذا لا يعني أنه سمع منه، فقد قال الذهبي - رحمه الله- في «السير» (6/ 16): "مولده - أي أيوب السَختياني- عام توفي ابنُ عبّاس، سنة ثمان وستين. وقد رأى أنس بن مالك، وما وجدنا عنه رواية، مع كونه معه في بلد، وكونه أدركه وهو ابنُ بضعٍ وعشرين سنة".