فإن احتج محتج بقوله: قد قال ابن عدي: "إنه قد اعتبر حديثه ما روى الناس عنه من الكوفيين محمد بن عثمان بن كرامة ومن الغرباء أحمد بن سعيد الدارمي وعندي من حديثهما عن خالد صدر صالح، ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته .. "، فهذا تصريح منه بأنه راجع كل حديثه وهذا ما وجده من منكراته فقط؟!
أقول: مسألة الاعتبار عند ابن عدي تحتاج إلى دراسة، فهو كثيراً ما يذكر ذلك وعند مراجعة أحاديث الراوي نجد له منكرات غير التي ذكرها، وهذا يدل على أنه - رحمه الله - كان يتسامح في هذه المقولة، فالاعتبار عنده - والله أعلم - أنه ينظر في حديثه نظرة سريعة، فما يجد أنه منكر عنده ذكره بحسب ما يحفظه أو ما يراجعه في كتبه وكتب أهل العلم.
وأما ما قاله بالنسبة للمنكرات إنه لم يجد في كتبه أنكر مما ذكره، فهذا يعني أنه قد يكون هناك منكرات أخرى له، ولكن ابن عدي أورد أشدها نكارة بحسب تعبيره: "أنكر". وكذلك هو قيّد ذلك: "ولم أجد في كتبه"، وهذا راجع إلى هذه النسخ التي ذكرها، وهي نسخ مستقيمة، وأما الأحاديث المنكرة له مما ذكره هنا وعند غيره فليست في هذه النسخ، والله تعالى أعلم وأحكم.
وقد أورد الذهبي - رحمه الله - حديثاً آخر في ترجمة خالد، قال إنه من أفراده!
قال في «الميزان» (2/ 426): "وما انفرد به ما رواه الدارقطني في «السنن»: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَعِيدٍ، قال: حدثنا أَبُو شَيْبَةَ إبراهيم بن عبدالله، قال: حدثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلَالٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، مرفوعاً: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ» ".
قلت: ظاهر كلام الذهبي أن خالداً تفرد بهذا الحديث عن سليمان بن بلال، ولم يروه غيره. وفي هذا نظر، فقد رواه عن سليمان: عبدالله بن وهب.
رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 398) برقم (6460) من طريق الرّبيع بن سليمان، عن عبدالله بن وهب، عن سليمان بن بلال، عن عمرو مولى المطلب، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ».
وتابعه أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي.
رواه ابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص 58) برقم (39) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً.
فجعلا الحديث من قول ابن عباس.
فإن أراد الذهبي أن خالداً تفرد برفعه فهذا صحيح، وإن أراد أنه تفرد بروايته عن سليمان فليس بصحيح.
وقد أورده في ترجمة «عمرو بن أبي عمرو» من «الميزان» (5/ 337) فقال: "ومن غرائبه عن أبيه في «سنن الدارقطني» إن ثبت الإسناد إليه حديثه: ليس عليكم في ميتكم غسل حسبكم أن تغسلوا أيديكم".
قلت: وهذا يؤيد أن الذهبي قصد في الحديث السابق أنه من أفراد خالد، أي تفرد به عن بلال، ولم يقصد تفرده برفعه؛ لقوله: "إن ثبت الإسناد إليه"! يعني لو ثبت أن سليمان بن بلال رواه عنه؛ لأن الذهبي يرى أن خالد بن مخلد تفرد به عنه، فلو ثبت أن خالد بن مخلد لم يتفرد به، فيكون من غرائب عمرو هذا!
وما جاء في المطبوع في هذا الإسناد: "عن أبيه" خطأ، وهو تحريف. والصواب: "عن عكرمة"، فالحديث رواه عمرو عن عكرمة، ولم يروه عن أبيه.
·…ملخص وفوائد البحث:
1 - حديث الوليّ تفرد بإخراجه البخاري في «صحيحه» دون بقية أصحاب الكتب الستة عن مُحَمَّد بن عُثْمَانَ بنِ كَرَامَةَ، عن خَالِد بن مَخْلَدٍ، عن سُلَيْمَان بن بِلالٍ، عن شَرِيك بن عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي نَمِرٍ، عَن عَطَاءٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن اللَّه عزّ وجلّ.