قال الذهبي: "إسناده جيد وله علة. فبالإسناد إلى يحيى قال: حدثناه إبراهيم بن سعيد الجوهري ومحمد بن إسحاق قالا: حدثنا قبيصة عن سفيان عن الأعمش بإسناده نحوه".
قلت: لا شك أن محمد بن عثمان بن كرامة من أهل الصدق والثقة، وربّ سائل يقول: كيف يتفرد بأحاديث عن خالد بن مخلد، ولا توجد عند شيخ سواه؟!
والبخاري قد أكثر عن خالد ولكنه اضطر أن يروي عن محمد بن عثمان وهو من أقرانه ويعدّ من صغار شيوخه! فلم لم يسمع البخاري منه هذه الأحاديث التي تفرد بها ابن كرامة وقد سمع منه غيرها الكثير؟!
أقول: يُحتمل أن البخاري لما سمع منه انتقى من حديثه فسمع ما انتقاه، أو أنه لم تسنح له الفرصة إلا أن يسمع جزءاً من حديثه، فلما احتاج إلى حديثه من غير ما سمعه اضطر أن يرويها عنه بواسطة، والله أعلم.
وتفرد ابن كرامة بهذه الأحاديث عن خالد ليس بمستنكر، فربما يكون استنزف حديث خالد كله بخلاف غيره، وكان التحديث في ذلك الوقت قائماً على الانتقاء لكثرته وانتشاره في الصحف والنسخ، أو يكون ابن كرامة قد سمع من خالد في أواخر عمره هذه الأحاديث التي تفرد بها عنه. وهناك جملة من الأحاديث قد توبع ابن كرامة عليها عن خالد، وقد روى البخاري بعضها عن غير ابن كرامة عن خالد، وهذا يؤيد ما قلناه إن البخاري لم يسمع كل حديث خالد بن مخلد.
روى ابن عساكر في «تاريخه» (9/ 30) من طريق محمد بن مخلد العطار، قال: أخبرنا محمد بن عثمان بن كرامة، قال: أخبرنا خالد بن مخلد، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن عبدالله بن أبي نمر، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا وله حواريون، فيمكث بين أظهرهم ما شاء الله يعمل فيهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا انقرضوا كان من بعدهم أمراء يركبون رؤوس المنابر، يقولون ما تعرفون ويعملون ما تنكرون، فإذا رأيتم أولئك فحق على كل مؤمن يجاهدهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه ليس وراء ذلك إسلام».
ورواه البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 368) عن محمد بن مهران الرازي، قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان، عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر، عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن عبيدالله عن ابن مسعود، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله نبياً إلا له حواري، فذكر الخلفاء.
قلت: وهذا الحديث تفرد به خالد عن سليمان بهذا الإسناد!! وهو معروف من غير هذا الطريق وفي ألفاظه بعض الاختلاف.
رواه الإمام مسلم في «صحيحه» (1/ 69) برقم (50) قال: حدثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وأبو بَكْرِ بن النَّضْرِ وَعَبْدُ بن حُمَيْدٍ - واللفظ لِعَبْدٍ- قالوا: حدثنا يَعْقُوبُ بن إبراهيم بن سَعْدٍ، قال: حدثني أبي، عن صَالِحِ بن كَيْسَانَ، عن الحَارِثِ، عن جَعْفَرِ بن عبداللَّهِ بن الْحَكَمِ، عن عبدالرحمن بن الْمِسْوَرِ، عن أبي رَافِعٍ، عن عبداللَّهِ بن مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله في أُمَّةٍ قَبْلِي إلا كان له من أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». قال أبو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَاللَّهِ بن عُمَرَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ فَقَدِمَ ابن مَسْعُودٍ فَنَزَلَ بِقَنَاةَ فَاسْتَتْبَعَنِي إليه عبداللَّهِ بن عُمَرَ يَعُودُهُ فَانْطَلَقْتُ معه فلما جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابن مَسْعُودٍ عن هذا الحديث فَحَدَّثَنِيهِ كما حَدَّثْتُهُ ابن عُمَرَ، قال صَالِحٌ: وقد تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذلك عن أبي رَافِعٍ.