وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (11/ 343): "وَقَدِ اسْتُشْكِلَ: كَيْفَ يَكُونُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا سَمْعَ الْعَبْدِ وَبَصَرَهُ إِلَخْ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَالْمَعْنَى: كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فِي إِيثَارِهِ أَمْرِي فَهُوَ يُحِبُّ طَاعَتِي وَيُؤْثِرُ خِدْمَتِي كَمَا يُحِبُّ هَذِهِ الْجَوَارِحَ. ثَانِيهَا: أَنَّ الْمَعْنَى كُلِّيَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِي فَلَا يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَّا إِلَى مَا يُرْضِينِي وَلَا يَرَى بِبَصَرِهِ إِلَّا مَا أَمرته بِهِ. ثَالِثهَا: الْمَعْنى أجعَل لَهُ مَقَاصِدَهُ كَأَنَّهُ يَنَالُهَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، إِلَخْ. رَابِعُهَا: كُنْتُ لَهُ فِي النُّصْرَةِ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ فِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى عَدُوِّهِ. خَامِسُهَا: قَالَ الْفَاكِهَانِيّ وَسَبقه إِلَى مَعْنَاهُ ابن هُبَيْرَةَ: هُوَ فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ: كُنْتُ حَافِظَ سَمْعِهِ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يَحِلُّ اسْتِمَاعُهُ، وَحَافِظُ بَصَرِهِ كَذَلِكَ، إِلَخْ. سَادِسُهَا: قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ أَدَقَّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى سَمْعِهِ مَسْمُوعَهُ لِأَنَّ المَصْدَرَ قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، مِثْلُ فُلَانٌ أَمَلِي بِمَعْنَى مَأْمُولِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَّا ذِكْرِي وَلَا يَلْتَذُّ إِلَّا بِتِلَاوَةِ كِتَابِي وَلَا يَأْنَسُ إِلَّا بِمُنَاجَاتِي وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا فِي عَجَائِبِ مَلَكُوتِي وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ رِضَايَ وَرِجْلَهُ كَذَلِكَ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ ابن هُبَيْرَةَ أَيْضًا. وَقَالَ الطُّوفِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ الْعَبْدِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِعَانَتِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَزِّلُ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ (فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي) قَالَ: وَالِاتِّحَادِيَّةُ زَعَمُوا أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْحَقَّ عَيْنُ الْعَبْدِ وَاحْتَجُّوا بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ! قَالُوا: فَهُوَ رُوحَانِيٌّ خَلَعَ صُورَتَهُ وَظَهَرَ بِمَظْهَرِ الْبَشَرِ، قَالُوا: فَاللَّهُ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ فِي صُورَةِ الْوُجُودِ الْكُلِّيِّ أَوْ بَعْضِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا!! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ، وَالْمَعْنَى: تَوْفِيقُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَتَيْسِيرُ الْمَحَبَّةِ لَهُ فِيهَا بِأَنْ يَحْفَظَ جَوَارِحَهُ عَلَيْهِ وَيَعْصِمَهُ عَنْ مُوَاقَعَةِ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ مِنَ الْإِصْغَاءِ إِلَى اللَّهْوِ بِسَمْعِهِ وَمِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ بِبَصَرِهِ وَمِنَ الْبَطْشِ فِيمَا لَا يَحِلُّ لَهُ بِيَدِهِ وَمِنَ السَّعْيِ إِلَى الْبَاطِلِ بِرِجْلِهِ. وَإِلَى هَذَا نَحَا الدَّاوُدِيُّ وَمِثْلُهُ الْكَلَابَاذِيُّ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَحْفَظُهُ فَلَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي مَحَابِّي لِأَنَّهُ إِذَا أَحَبَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَكْرَهُهُ مِنْهُ. سَابِعُهَا: قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا: وَقَدْ يَكُونُ عَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْ سُرْعَةِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالنُّجْحِ فِي الطَّلَبِ وَذَلِكَ أَنَّ مَسَاعِيَ الْإِنْسَانِ كُلَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ بِهَذِهِ الجَوَارِحِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ مُنْتَزَعٌ مِمَّا تَقَدَّمَ لَا يَتَحَرَّكُ لَهُ جَارِحَةٌ إِلَّا فِي اللَّهِ وَلِلَّهِ فَهِيَ كُلُّهَا تَعْمَلُ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْحِيرِيِّ أَحَدِ أَئِمَّةِ الطَّرِيقِ قَالَ: (مَعْنَاهُ كُنْتُ أَسْرَعَ إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ مِنْ سَمْعِهِ فِي الْأَسْمَاعِ وَعَيْنِهِ فِي النَّظَرِ وَيَدِهِ فِي اللَّمْسِ وَرِجْلِهِ فِي الْمَشْيِ)، وَحَمَلَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ عَلَى مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَقَامِ الْفِنَاءِ وَالْمَحْوِ وَأَنَّهُ الْغَايَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ وَرَاءَهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِإِقَامَةِ اللَّهِ لَهُ مُحِبًّا بِمَحَبَّتِهِ لَهُ نَاظِرًا بِنَظَرِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْقَى مَعَهُ بَقِيَّةٌ تُنَاطُ بِاسْمٍ أَوْ تَقِفُ عَلَى رَسْمٍ أَوْ تَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ أَوْ تُوصَفُ بِوَصْفٍ! وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَشْهَدُ إِقَامَةَ اللَّهِ لَهُ حَتَّى قَامَ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ حَتَّى أَحَبَّهُ وَنَظَرَهُ إِلَى عَبْدِهِ حَتَّى أَقْبَلَ نَاظِرًا إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الزَّيْغِ عَلَى مَا يَدْعُونَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَازَمَ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ حَتَّى يُصَفَّى مِنَ الكُدُورَاتِ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْحَقِّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَفْنَى عَنْ نَفْسِهِ جُمْلَةً حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الذَّاكِرُ لِنَفْسِهِ الْمُوَحِّدُ لِنَفْسِهِ الْمُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ وَالرُّسُومَ تَصِيرُ عَدَمًا صَرْفًا فِي شُهُودِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْدَمْ فِي الْخَارِجِ، وَعَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا فَلَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِلِاتِّحَادِيَّةِ وَلَا الْقَائِلِينَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ لِقولِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ (وَلَئِنْ سَأَلَنِي وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي) فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ".
أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٨١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٨١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي