تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الحافظ ابن كثير: "مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْلَصَ الطَّاعَةَ صَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُبْصِرُ إِلَّا اللَّهَ، أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا": "فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي"؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ".

قلت: الحديث في ظاهره يُفهم منه الحلول والاتحاد ولهذا وقع في ذلك الصوفية! وقد احتاج العلماء لبيان معناه وصرفه عن ظاهره! ولست بصدد الحديث عن ذلك بعد أن بيّنت أن إسناده منكر لا يصح!

لكن قد يحتج بعضهم بأن ما جاء في الحديث له أصل في الشريعة بحيث ننفي عنه ما يظنه الصوفية وغيرهم من أنه يدلّ على الحلول والاتحاد كالحديث الصحيح الذي يرويه أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ، قَالَ: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»، ونحوه من الأحاديث!

لكن هذا الحديث وأمثاله ليس فيها ما يدلّ عليه حديث الولي، وإنما هو في الحث على العبادة والذكر والدعاء والتقرّب إلى الله، ومعناه واضح لا على حقيقته التي قد يفهمها بعض الناس، ومع ذلك ليس فيه أي حلول أو اتحاد، وإنما تشترك هذه الأحاديث في نفي المعنى الظاهر وتأويلها وصرفها إلى معانٍ أخرى!

نعم، يمكن تفسير حديث الولي بما فسره بعض أهل العلم ممن نقلنا أقوالهم آنفاً، لكن يبقى الاختلاف بينهم في حمل الحديث على معنى واحد يدلّ على أصل الاستشكال، والله أعلم.

ثانياً: استشكال وجود أحد يعاديه لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين!

قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (11/ 342): "وَقَدِ اسْتُشْكِلَ وُجُودُ أَحَدٍ يُعَادِيهِ لِأَنَّ المُعَادَاةَ إِنَّمَا تَقَعُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمَنْ شَأْنِ الوَلِيِّ الحِلْمُ وَالصَّفْحُ عَمَّنْ يَجْهَلُ عَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَادَاةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمُعَامَلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَثَلًا بَلْ قَدْ تَقَعُ عَنْ بُغْضٍ يَنْشَأُ عَنِ التَّعَصُّبِ كَالرَّافِضِيِّ فِي بُغْضِهِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَالْمُبْتَدِعِ فِي بُغْضِهِ لِلسُّنِّيِّ فَتَقَعُ الْمُعَادَاةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَمَّا مِنْ جَانِبِ الْوَلِيِّ فَلِلَّهِ تَعَالَى وَفِي اللَّهِ، وَأَمَّا مِنْ جَانِبِ الْآخَرِ فَلِمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا الْفَاسِقُ الْمُتَجَاهِرُ بِبُغْضِهِ الْوَلِيَّ فِي اللَّهِ وَبِبُغْضِهِ الْآخَرَ لِإِنْكَارِهِ عَلَيْهِ وَمُلَازَمَتِهِ لِنَهْيِهِ عَنْ شَهَوَاتِهِ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْمُعَادَاةُ وَيُرَادُ بِهَا الْوُقُوعُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِالْفِعْلِ وَمِنَ الْآخَرِ بِالْقُوَّةِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ (لِي) هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِقولِهِ (وَلِيًّا) لَكِنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ صَار حَالا. وَقَالَ ابن هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ: قَوْلُهُ (عَادَى لِي وَلِيًّا) أَيِ اتَّخَذَهُ عَدُوًّا وَلَا أَرَى الْمَعْنَى إِلَّا أنه عَادَاهُ من أجل ولَايَته وَهُوَ وإن تَضَمَّنَ التَّحْذِيرَ مِنْ إِيذَاءِ قُلُوبِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَتِ الْحَالُ تَقْتَضِي نِزَاعًا بَيْنَ وَلِيَّيْنِ فِي مُخَاصَمَةٍ أَوْ مُحَاكَمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى اسْتِخْرَاجِ حَقٍّ أَوْ كَشْفِ غَامِضٍ فَإِنَّهُ جَرَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُشَاجَرَةٌ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا، وَتَعَقَّبَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِأَنَّ مُعَادَاةَ الْوَلِيِّ لِكَوْنِهِ وَلِيًّا لَا يُفْهَمُ إِلَّا إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْحَسَدِ الَّذِي هُوَ تَمَنِّي زَوَالِ وِلَايَتِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فِي حَقِّ الْوَلِيِّ فَتَأَمَّلْهُ. قُلْتُ: وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَدَ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الْإِعْذَارِ عَلَى الْإِنْذَارِ وَهُوَ وَاضِحٌ".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٨٢