تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: بل كلامك هو المردود لا كلام الذهبي. وتخريج الأئمة له لا يعني أن كل حديث يرويه صحيح، بل إن ابن عدي أورد له مناكير لا أصول لها وعزا ذلك إلى الوهم في الحفظ، وهذا ما أيده المعلمي اليماني في هذا الحديث. وأما الأئمة الذين احتجوا به فذلك منهم لأن البخاري خرجه وعدّه صحيحاً، وأما الإجماع المزعوم فمردود، فلا إجماع في مثل هذه الأمور القائمة على الاجتهاد ضمن منهج أهل النقد.

الإشكالات في متن الحديث

ورد على هذا الحديث استشكالات كثيرة! واختلف العلماء في الجواب عنها! وهذا يدلّ على أن الحديث فيه شيء! فلو كان إشكالاً واحداً لهان الأمر، لكن أن يكون فيها أكثر من استشكال! فهذا يُضعف الحديث!

أولاً: أن هذا الحديث يدلّ على الحلول والاتحاد ويستدل به الصوفية على ذلك!

يعتقد غلاة الصوفية ممن يرون أن الأولياء أعظم من الأنبياء أن الله تعالى إنما يحل في الولي فيكون الولي مظهراً من مظاهر الله تعالى، أو يكون الولي عين الله تعالى؛ فيكون يد الولي وسمعه وبصره: يد الله وسمعه وبصره؛ وعليه فإن طلب المدد من الولي والاستغاثة به هو في الحقيقة طلب من الله تعالى واستغاثة به؛ لأن الله قد حلّ في الولي. وهذا زندقة وإلحاد!!

قال ابن عربي: "أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق تعالى: بأنه عين السمع، والبصر، واليد، والرجل، واللسان، أي هو عين الحواس".

وقال الحلاّج:

يا عين عين وجودي يا مدى هممي ... يا منطقي وعباراتي وإيمائي

يا كل كلي ويا سمعي ويا بصري ... يا جملتي وتباعيضي وأجزائي

وقد ردّ أهل العلم استدلال الصوفية بهذا الحديث! ونفوا عنه الحلول والاتحاد، وأوّلوه.

قال محمد رشيد رضا في «تفسير المنار» (11/ 343): "وَإِنَّنَا لَمْ نَرَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَوْلِيَاءِ مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ مِنْهُ إِلَى كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَدِيثَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِحَرْبٍ» إِلَخْ. وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَفِي سَنَدِهِ غَرَابَةٌ كَمَتْنِهِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: هَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ بَقِيَّةِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ ... وساق كلامه وكلام الذهبي.

ثم قال: "أَقُولُ: وَأَمَّا الْغَرَابَةُ فِي مَتْنِ هَذَا الحَدِيثِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «ولا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ» إِلَى آخَرِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَقَدْ أَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ وَبَيَّنْتُ أَمْثِلَةَ تَأْوِيلٍ لَهُ عِنْدِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حُبِّ اللهِ تَعَالَى مِنْ تَفْسِيرِ (9/ 24، 10/ 214 - ط الْهَيْئَةِ) فَرَاجِعْهُ يُغْنِكَ عَنْ ذِكْرِهِ كُلِّهِ هُنَا".

وقال ابن تيمية: "الاتحادية يَزْعُمُونَ أَنَّ قُرْبَ النَّوَافِلِ: يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ الْحَقِّ عَيْنَ أَعْضَائِهِ وَأَنَّ قُرْبَ الْفَرَائِضِ: يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَيْنَ وُجُودِهِ كُلِّهِ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بَلْ كُفْرٌ صَرِيحٌ".

وقال أيضاً: "وَهَذَا الحَدِيثُ يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْوَحْدَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ﴾ فَأَثْبَتَ نَفْسَهُ وَوَلِيَّهُ وَمُعَادِي وَلِيِّهِ وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاء مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ﴾ فَأَثْبَتَ عَبْدًا يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالْفَرَائِضِ ثُمَّ بِالنَّوَافِلِ وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ فَإِذَا أَحَبَّهُ كَانَ الْعَبْدُ يَسْمَعُ بِهِ. وَيُبْصِرُ بِهِ وَيَبْطِشُ بِهِ وَيَمْشِي بِهِ. وَهَؤُلَاءِ هُوَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِالنَّوَافِلِ وَبَعْدَهُ: هُوَ عَيْنُ الْعَبْدِ وَعَيْنُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ بَطْنُهُ وَفَخِذُهُ لَا يَخُصُّونَ ذَلِكَ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِحَالِ مُقَيَّدٍ وَهُمْ يَقُولُونَ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّعْمِيمِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٨٠