تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثانيًا: ألا يكون معانِدًا، يعني أن يكون مُتَؤَوِّلًا غير معاند.

ثالثًا: ألا يروي حديثًا منكرًا يؤيد البدعة.

وبهذه الشروط الثلاثة ينحل إشكال رواية المبتدع - ولو كان داعية- في الصحيحين.

ولا بأس إنْ ذكرنا مثالًا ينطبق عليه هذه الشروط الثلاثة بكل وضوح، فنقول:

أخرج مسلم لعدي بن ثابت حديثًا في ظاهره يؤيد بدعته، وقد قيل عن عدي: إنه داعية، وقيل عنه إنه من غلاة الرافضة، ومع ذلك أخرج له الإمام مسلم حديثًا في ظاهره يؤيد البدعة؛ فساق من طريقه عن زِرٍّ عن علي بن أبي طالب عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال لعليٍّ: «وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسْمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ؛ إِنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ»؟

فهذا الحديث في فضل علي بن أبي طالب، وفيه تأييد لبدعة عدي التي رماه بها النقاد، وهي التشيع أو الغلو فيه، فما هو وجه إخراج مسلم له؟!

وجْهُ ذلك: أنه اختل شرط من شروط ردِّ رواية المبتدع، وهو أن هذا الحديث وإن كان يؤيد البدعة لكنه ليس منكرًا، ولا يرتاب أحد أنه لا يحب عليَّ بن أبي طالب إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق.

وهذا لا يخص علي بن أبي طالب وحده؛ بل كل أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام - كذلك: «لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهم إِلَّا مُنَافِقٌ»، وقد ثبت في «الصحيح: «آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ».

فحديث عدي: وإن كان في ظاهره ما يؤيد بدعته في التشيع، لكنه نظيف من النكارة، وقد ثبت لعلي بن أبي طالب من الفضائل ما هو أعظم من هذا الحديث؛ لأن له خصائص اختُصَّ بها دون بقية الصحابة، أما هذا الحديث فيعمه هو والصحابة الآخرون.

فثبت بهذا: احتجاج الإمام مسلم بحديث يرويه مبتدع داعية لمذهبه، ليس هذا فحسب، بل وفي ظاهر الحديث ما يؤيد بدعته أيضًا.

والأمثلة على صحة تلك الشروط في قبول رواية المبتدع-ولو كان داعية- من تصاريف النقاد الأوائل وأصحاب الصحاح = تطول بنا عن أصل الكلام، ويكفي ما ذكرناه.

سادساً: المثال الذي أتى به من كلام المعلمي حول تخريج البخاري لمن ميز حديثه وإعراضه عمن لم يميز حديثه كابن ابي ليلى مثال مع الفارق! فابن أبي ليلى مشاكله في الرواية كثيرة ولهذا لم يخرج البخاري له شيئاً، ولا يقارن بخالد بن مخلد، فبينهما بون شاسع. ونحن ننازع البخاري - رحمه الله - في حديث واحد لخالد لا في كل ما خرّجه له! والعجيب أنه رواه عنه بواسطة لا مباشرة، وهذا يحتاج إلى تفسير!! وهو أمر مشكل!

وقد ذكر بعض أهل العلم مما يعدّ إجابة عن هذا الإشكال: أن هذا يدلّ على شرف راويه عند الإمام البخاري؛ لأنه رواه عنه بواسطة - أي بنزول.

فقال الحافظ أبو سعد ابن السمعاني، فقال في «ذيل تاريخ بغداد» فيما نقله عنه ابن العديم في «بغية الطلب»: "ولم يخرجه البخاري إلا عن ابن كرامة حسب من هذا الطريق، وخالد بن مخلد هو أبو القاسم القطواني كوفي روى عنه البخاري في صحيحه، وأخرج هذا الحديث عن ابن كرامة عنه، ومن جلالة الرجل عنده يحدث عنه ثم يحدث عن رجل عنه".

وقال الحافظ زكي الدين أبو عبدالله محمد بن يوسف البرزالي - والِد أبي القاسم البرزالي - في «الجزء الأول من تخريج مشيخة أبي المنجَّى ابن اللتِّي البغدادي» بعد أن أخرج هذا الحديث: "وهو من أفراد البخاري، ولم يخرجه إلا عن ابن كرامة، فوقع لنا موافقةً، وخالد بن مخلدٍ هو من شيوخه، روى عنه في كتابه، وربما فاته عنه هذا الحديث، فرواه عن رجل عنه، وذلك لجلالة الشيخ عنده، وشرف الحديث".

قلت: قد يكون تخريج البخاري لهذا الحديث لجلالة خالد عنده ولشرف هذا الحديث الذي فاته سماعه، مع أني أرى أن في ذلك نظر! لكن هذا لا يعني عدم استنكاره لوجود مناكير في حديثه!

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٧٨