وقوله في ترجمة «خارجة بن مصعب الضبعي» من «تاريخه الكبير»: "تركه وكيع وكان يُدلس عن غياث بن إبراهيم ولا يعرف صحيح حديثه من غيره".
وقول ابن حجر في «اللسان» في ترجمة الأعدل بن محمد: "وكان البخاري حسن الرأي فيه إلا أنه كان كثير التخليط والبخاري يعرف صحيح حديثه من سقيمه فلا يغتر بروايته عنه".
قلت: هذه الأقوال فيمن لا يستطيع البخاري تمييز حديثه من سقيمه بإطلاق! فلا يكتب عنه، ولا يروي له! وخالد ليس من هذه البابة.
ولا نجد أن البخاري روى لشخص أو كتب عنه ممن لم يستطع تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وأما إذا ميّز حديثه وعرف صحيحه من سقيمه فإنه يكتب عنه، وقد يخرّج لمن ميّز حديثه.
ثالثاً: دعوى أن أحداً لم يذكر هذا الحديث في منكرات خالد لا يعني أنه ليس بمنكر! فنظرة كل ناقد تختلف عن الأخرى، ولم نجد أن أحداً سئل عنه حتى نقول: قال كذا وكذا. ولم يحتج من عدّه ليس بمنكر إلا بعدم إيراد ابن عدي له في منكرات خالد بن مخلد في ترجمته من الضعفاء!
أقول: ابن عدي اجتهد في ذلك وعادته أنه يتساهل أحياناً في مثل هذه الأحاديث فلا يوردها، أو أنه غفل عنه أو اجتهد كما اجتهد البخاري فلم يره منكراً، وليس بلازم أن يذكره ابن عدي في منكرات خالد! فكم من حديث منكر لبعض الرواة لا يذكره في تراجمهم.
رابعاً: النّصان اللذان اتى بهما الدكتور عن ابن رجب وابن عبدالهادي في الدلالة على عناية خالد بن مخلد بمرويات شيخه سليمان - وأن أحداً من المعاصرين لم يتفطن لها! لا تخدمه في هذا!! فهذه النصوص تدل على أن خالد بن مخلد يؤخذ حديثه عن مشيخة أهل المدينة وسليمان بن بلال فقط؛ لأنه من أهل البلد، وأما حديث الأمصار الأخرى فلم يحفظ ولم يتقن حديثهم، فلا تقبل روايته عنهم، وقبول حديثه عن سليمان بن بلال ومشيخة أهل المدينة لا يعني قبول كل حديث له عنهم؛ لأنه يخطئ ويهم عليهم، ولهذا انتقى له البخاري، وإلا كان لزاماً أن نقبل المنكرات التي رواها عن مشيخة أهل المدينة، وهذا لا يقوله أحد.
خامساً: قوله "والذي يقوى عندي أن رواية المبتدع مقبولة مطلقاً حتى لو كان داعية"! فيه مخالفة لما عليه أهل العلم هكذا بإطلاق، وتحتاج إلى الاستدلال عليها، وتقييدها بشروط.
والدكتور يحتج بأقوال المعلمي اليماني فيما يوافق رأيه ويعرض عن أقواله التي تخالفه!
فالمعلمي - رحمه الله - قد صرّح بأن هذا الحديث مما يدعم بدعة خالد بن مخلد - أي التشيع- وكان الأحرى بالدكتور أن يرد على ذلك بالأدلة إذا كان يخالفه.
قال المعلمي: "ويُرد ما انفرد به بما فيه تهمة تأييد لمذهبه. وقد تفرد بهذا الحديث كما ذكره الذهبي وكذا الحافظ ابن حجر في مقدمة «الفتح»، وفي هذا الحديث تهمة تأييد مذهب غلاة الرافضة في الاتحاد والحلول، وإن لم يُنقل مثل ذلك عن خالد، وقد أسندت إلى هذا الحديث بدع وضلالات تصطك منها المسامع، والله المستعان".
والاعتراض في هذا على الدكتور من باب الإلزام، لا من باب الاحتجاج، وإلا فلا يعدو الأمر عندي أنه حصل هناك خلط لخالد في هذا الحديث، ولا تعلق له بمسألة البدعة وأن يكون داعياً لها! وسأحقق في اتهام أهل العلم له بالرفض.
·…الرواية عن المبتدع ولو كان داعية لبدعته!
وأما مسألة الرواية عن المبتدع الداعي لبدعته: فالتحقيق على منهج جماعة من المتقدمين في قبول خبر المبتدع ولو كان داعية، فقد صح إخراج البخاري ومسلم لجماعة من المبتدعة وللدعاة أيضًا منهم، مثل: شبابة بن سوّار، وعبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي روّاد وهما من دعاة المرجئة، وأيضًا: عبدالله بن أبي نجيح وهو من دعاة القدر، وأيضًا من دعاة التَّشَيُّع مثل: عدي بن ثابت.
لكن يشترط في قبول رواية المبتَدِع ولو كان داعية لمذهبه عدة شروط:
أولًا: ألَّا يكون مُكَفَّرًا ببدعته على التعيين.