تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأمّا غرابة لفظه فلم يتبين لي وجه ذلك بدقة، فالبخاري وغيره صححوا الحديث ويلزم من ذلك – هنا - صحة المتن، ثمّ الغرابة في هذا شيء نسبي تقوم في أذهان بعض الناس دون آخرين، فربما استغربتَ معنى ما في حديث لم يتبين لك وجهه، بينما غيرك بان له المعنى بوضوح ومن طالع كتب شروح الحديث وجد هذا جليا، فعالم يستشكل مسألة ما، والآخر يستغرب هذا الاستشكال ويبين أنه ليس مشكلاً .. وهكذا، والخطير في هذه المسألة ما وقع في هذا العصر من بعض المسلمين المنهزمين حيث ردوا بعض النصوص الثابتة لأنها لم توافق عقولهم .. ولست أدري هل هناك عقل بشري كمدلول مطلق نحتكم إليه؟! .. هناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعلان وهذه عقول متفاوتة واقعة تحت مؤثرات شتى علمية .. ومكانية .. وزمانية .. وغيرها .. ففتح هذا الباب بدون مراعاة الضوابط التي سار عليها سلفنا الصالح أئمة الحديث ونقاده أمر بالغ الخطورة، وله أثر سيء في الأمة، نسأل الله السلامة والعافية ...

وقد علق المعلمي على حديث من (من عادى لي وليا) فقال: «هو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص 345 - 348 وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق»، وقال أيضاً - تعليقا على قول أبي رية ((ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية)) -: «أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية اخشم فاقد الشم أو فاسدة» الأنوار الكاشفة (ص 193).

ومما تقدم يعلم أنَّ الكلام على أحاديث الصحيحين ليس من السهولة لمن لم يستفرغ وسعه في البحث والتنقيب والتتبع، مع سؤال الله دائما أن يعلمه ويفهمه، ويبعد عنه حب الشهرة والثناء والتصدر، والولع بالغرائب والشواذ من الأقوال، ففي معرفة العلم البين الواضح الذي ورثه لنا سلفنا الصالح كفاية وغنية، والله المستعان" انتهى كلام الدكتور الصيّاح.

قلت:

أولاً: لم يبيّن لنا الدكتور السر في متى يروي البخاري عن خالد مباشرة، ومتى يروي عنه بواسطة؟! وهذا الحديث لم يروه البخاري عن شيخه خالد مباشرة كما يقول الدكتور! وإنما رواه عنه بواسطة ابن كرامة!!

فالظاهر أن البخاريّ لما سمع من خالد لم يسمع هذا الحديث وحديث آخر سيأتي الكلام عليه إن شاء الله، ولهذا رواهما عنه بواسطة! وقد يكون هذا بسبب أن البخاري كان يختار من أحاديث شيوخه من أصولهم فيسمع بعض الأحاديث، ويترك بعضها، أو أن هذا الحديث لم يكن عند خالد عندما سمع منه البخاري، ولما سمع منه ابن كرامة خلط في إسناده، والله أعلم!

وسأتبع الكلام على هذا الحديث بدراسة وافية عن الأحاديث التي انتقاها البخاري لخالد بن مخلد في صحيحه إن شاء الله تعالى.

ثانياً: دعوى أن البخاري قد ميز حديث من أخرج لهم في صحيحه هي في الغالب صحيحة، ولو رضي الأئمة ذلك لم استدركوا عليه بعض الأحاديث، فلا يجوز الاحتجاج بالقواعد الأغلبية على ما فيه نظر في بعض أفراد الأحاديث.

وقد يُنازع البعض في هذا بأن الإمام البخاري - إمام الصنعة - لا يخرّج إلا ما قد ميزه بوجود قرائن وغير ذلك! ولكن هذا يبقى في دائرة الاجتهاد، ولا ينقص ذلك من قدر هذا الإمام الكبير.

وحاصل الأمر أننا ننظر في الحديث ضمن الأمور المتوفرة بين أيدينا من الروايات وأحوال رواتها، ولا نعتمد على القواعد الأغلبية أو القرائن المجهولة التي لا نعرفها!!

وقد يختلط الأمر على بعض المشتغلين بهذا العلم بقولهم: "إن البخاري ألزم نفسه أنه لا يخرج حديث رجل إلا بعد تمييزه صحيح حديثه من سقيمه"! محتجاً على ذلك بقول البخاري: « ... كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه لا أروي عنه ولا أكتب حديثه».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٧٦