تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال أبو رية: "ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية".

فرد عليه الإمام المعلمي فقال: "أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حقّ من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري؛ لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية أخشم فاقد الشم أو فاسده".

وعلق أبو ريّة في الحاشية أيضاً: "يبدو أن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه، فقد وقع في الحلية في ترجمة هذا .. إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن".

فقال المعلمي: "أقول: في سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أن وهباً روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئاً عن وهب، ووهب صغير إنما ولد في أواخر خلافة عثمان، وإن صح حديث البخاري عن أبي هريرة فالمعقول إن كان أحدهما أخذ عن الآخر أن يكون وهب أخذه عن أبي هريرة أو بلغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمين فتوسعه في قراءة كتب الأوائل إنما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدة. وهذا تنازل مني إلى عقل أبي رية وأشباهه، فأما الحقيقة فمكانة أبي هريرة رضي الله عنه أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج للدافع عنه إلى مثل ما ذكرت".

قلت: أبو هريرة - رضي الله عنه- قد حدّث عن مسلمة أهل الكتاب، ومن كتب أهل الكتاب، ولكن هذا الحديث لم يحدِّث به قط!

وأما أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهذا مسلَّم، ولكن لا دخل له هنا! كيف وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بعدم تصديق رواياتهم أو تكذيبها!

وأنا لا أدافع عن الهالك (أبو رية) الذي طعن في أبي هريرة - رضي الله عنه - ولكن هذا الحديث أصله من الإسرائيليات، ولكن أبو رية لما كانت هذه ليست صناعته عزا ذلك إلى أن أبا هريرة أخذه من وهب بن منبه! وهذا جهل منه كما بينه الإمام المعلمي اليماني. والذي دفعه إلى ذلك هو حبّ الطعن في راوية الإسلام أبي هريرة - رضي الله عنه وأرضاه-.

وسيأتي أن هذا الرأي للإمام المعلمي في هذا الحديث كان في ذلك الوقت، ولما حققه ضعفه وعدّه من المنكرات، وعليه فإن رأي المعلمي هذا لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن له كلاماً آخر قد نسخه، وهذا من باب تغير اجتهاد الناقد.

مناقشة بعض المعاصرين

·…- د. أبو بكر كافي:

قال د. أبو بكر كافي في «منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها» (ص 229) وهو يتحدث عن "الأحاديث التي استنكرت أو استغربت في الجامع الصحيح": "لقد تكلم بعض الأئمة في جملة من الأحاديث صحيح البخاري ووصفوها بالغرابة أو النكارة وهي وإن كانت قليلة، ومحدودة العدد ... وقبل الشروع في دراسة بعض النماذج لا بد من الإشارة إلى حقيقة علمية مهمة وهي: إن وجود الغرائب والأفراد في الصحيحين هو أمر نادر، ولم يكن من قصد الشيخين - رحمها الله- أن يكون كتاباهما مجمعاً للغرائب والأفراد كما قصد بعض الأئمة من مصنفاتهم، وإنما قصدهما ذكر الأحاديث الصحيحة المشهورة التي تداولها أهل العلم فيما بينهم كما صرح به مسلم في مقدمة صحيحه. ومن هنا كانت هذه الأحاديث المستغربة أو المستنكرة من قبل الأئمة قليلة بالنسبة إلى الأحاديث الصحيحة المشهورة ... والأمر الثاني الذي يجدر التنبه إليه هو أن الغرابة أمر نسبي، فقد يكون حديث ما غريباً عند إمام ناقد، بينما لا يوافقه غيره من الأئمة على ذلك الحكم لوقوفهم على متابعات وشواهد تدفع عن الحديث وصوف الغرابة أو النكارة".

ثم ذكر الدكتور هذا الحديث، ونقل كلام اهل العلم فيه: الذهبي وابن رجب وابن حجر، ونقل كلام أهل العلم في خالد بن مخلد، ودفاع الحافظ ابن حجر عنه، ثم قال: "وقد لخص الحافظ حاله في التقريب فقال: "صدوق يتشيع ن وله أفراد". (والبخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقاً في الأصل). فالبخاري لما ترجح عنده صدق خالد بن مخلد القطواني أخرج له، فإن قيل إنما يعرف صدقه وصحة حديثه بموافقة الثقات له، وخالد له مناكير، ومنها هذا الحديث الذي تفرد به ولم يتابعه عليه الثقات، فكيف يكون صحيحاً؟ (إن معرفة البخاري لصحة حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين: إما أن يكون الراوي ثقة ثبتاً فيعرف صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطرق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاص جهة معينة). وخالد بن مخلد من شيوخ البخاري فهذا يقتضي معرفة حديثه وحاله عنده. فلما علم البخاري صدق خالد بن مخلد، ورأى أن هذا المتن الذي انفرد به ليس فيه شيء يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو أصول الشريعة ووجدت له شواهد، وإن كانت ضعيفة ولكنها كثيرة يصلح منها نوع قوة مما يدل على أن للحديث أصلاً لهذا كله صححه الإمام البخاري هذا الحديث. ويمكن القول أيضاً: إن البخاري تساهل في رواية هذا الحديث لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال وليس في أصول التحريم والتحليل، والله أعلم" انتهى.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٧٣