قلت: هذا الكلام الذي نقله الدكتور في الإجابة عن تخريج البخاري لهذا الحديث عن الإمام المعلمي إنما كان هذا عموماً في منهج البخاري، لا في هذا الحديث، بل المعلمي يرى نكارة هذا الحديث كما سبق بيانه.
وأما أن البخاري قد علم صدق خالد بن مخلد لأنه من شيوخه! فهذا غير صحيح؛ لأن البخاري لم يروه عن خالد مباشرة، وإنما رواه عنه بواسطة ابن كرامة - وهو من صغار شيوخه، بل يعدّ من أقرانه-، وهذا مما يريب في هذا الحديث! فلمَ لمْ يروه البخاري عن خالد مباشرة ورواه عنه بواسطة! وقد تفرّد به ابن كرامة عن خالد!! فيحتمل أن هذا الحديث لم يكن عند خالد بن مخلد أصلاً، ولو كان عنده لسمعه منه، وعليه فيكون ابن كرامة قد حصل له خطأ ما فيه، كأن يكون دخل له إسناد في إسناد!
فلما رأى البخاري هذا الحديث عنده رواه في كتابه، ولم يروه من أجل الشواهد الضعيفة كما أشار الدكتور! فهذا ليس من منهج البخاري أنه يصحح الأحاديث بمثل هذه الشواهد الواهية!!
وأما أن البخاري تساهل فيه لأنه في الرقاق وفضائل الأعمال ففيه نظر! لأن هذا أيضاً ليس من منهجه، وإنما هو يورد ما صح عنده، وهذا قد اجتهد فيه فصححه فأخرجه، أو أنه أخرجه في غير مظانه لضعفه عنده - كما أسلفنا- والله أعلم.
·…- د. علي الصيّاح:
وسئل الدكتور علي الصيّاح عن هذا الحديث في «ملتقى أهل الحديث»، فأجاب بعد مقدمة عن الصحيحين: "وهنا لنا نظران:
النظر الأوَّل: تحقيق القول في حال خالد بن مخلد القطواني، وهل هو ثقة أم لا أم فيه تفصيل؟ وكيفية رواية البخاري عنه؟ وكم روى له، ومن هم شيوخه وتلاميذه الذين اعتمدهم في الرواية عنه؟ وهل هو من شيوخه الذين ميز أحاديثهم أم لا؟ وما هو السر في أنّ البخاري يروي عنه مباشرة وأحياناً يروي عنه بواسطة؟! فيلاحظ عناية البخاري بالرواية عنه، فمثل هذه الأسئلة الافتراضية تخدم الكلام على هذا الحديث وتؤدي إلى إجابات علمية موضوعية.
وتحقيق القول في خالد بن مخلد أنه من كبار شيوخ البخاري الذين ميز حديثهم من خلال كتبهم أو من خلال موافقتهم للثقات أو من خلال استقامت المتون التي يرويها، وأنه - بالجملة - صدوق، ولكنه في روايته عن سليمان بن بلال متقن، رمي بالتشيع وله بعض المنكرات خاصة عن الإمام مالك، ولكن لم يذكر أحد من المتقدمين هذا الحديث من منكراته، يراجع الكامل لابن عدي (3/ 34).
قال الذهبي: «خالد بن مخلد القطواني من شيوخ البخاري صدوق إن شاء الله».
وها هنا أمر في غاية الأهمية في هذه المسألة وهو أنه يلاحظ أن البخاري أكثر من الرواية عن خالد بن مخلد القطواني عن شيخه سليمان بن بلال دون غيره، وهو شيخه في هذا الحديث المنتقد، مما يدل على عناية خالد بن مخلد بمرويات شيخه سليمان، وتأمل هذه النصوص النفيسة التي لم يتفطن لها بعض المعاصرين ممن تكلم على الحديث، قال ابن رجب: «ومنهم - أي من الضرب الثاني من حدث عن أهل مصر أو إقليم فحفظ حديثهم وحدث عن غيرهم فلم يحفظ - خالد بن مخلد القطواني، ذكر الغلابي في تاريخه قال: القطواني يؤخذ عنه مشيخة المدينة وابن بلال فقط، يريد سليمان بن بلال، ومعنى هذا أنه لا يؤخذ عنه إلا حديثه عن أهل المدينة وسليمان بن بلال منهم لكنه أفرده بالذكر» شرح علل الترمذي (2/ 776).
وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي (1/ 256): «فإن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره؛ فلا يكون على شرطهما، وهذا كما يخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وعلي بن مسهر وغيرهما، ولا يخرجان حديثه عن عبدالله بن المثنى، وإن كان البخاري قد روى لعبدالله بن المثنى من غير رواية خالد عنه».
وهذه الجملة التي ذكرتها تحتاج إلى صفحات لبيانها ونقل أقوال العلماء فيها، ولكن أكتفي بنصوص يسيرة تدل على ما ورائها: