تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحديث قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن مخلد قبل وفاة الحارث بأكثر من عشرين سنة، ولو كان هذا الحديث معروفاً بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل زمانهم لما فرّط فيه أهل العلم.

والحاصل أن العهدة في هذا الحديث على خالد بن مخلد القطواني، وكان صدوقاً، قد أكثر البخاري ومسلم من حديثه في صحيحيهما، ولكن له منكرات كما قال الإمام أحمد، وكأنه أُتي من قبل الحفظ، وقد ساق ابن عدي له عشرة أحاديث منكرة، ثم قال: "ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته، فلعله توهماً منه أو حملاً على الحفظ، وهو عندي إن شاء الله لا بأس به".

قال ابن حجر في «التقريب»: "صدوق يتشيع وله أفراد".

وقال في «مقدمة الفتح»: "قلت: أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبي هريرة: من عادى لي ولياً ... الحديث".

قلت: نعم، التشيع لا يضره، وهو صدوق الرواية ولم يكن داعية إلى بدعته، ولم يخرج له البخاري من الأفراد التي ذكرها له ابن عدي، بل لم يذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته! وعدم ذكره له كأنه من أجل تخريج البخاري له في صحيحه، والله أعلم.

ولكن يبقى الحديث فرداً غريباً! والأغرب أن مخرجه مدني عن أبي هريرة، ولا يوجد عند أصحاب أبي هريرة المعروفين بالرواية عنه!!

فالحديث معلول، وأصله مرسل من كتب الأقدمين من أهل الكتاب، والله أعلم وأحكم.

وقد يقول قائل: قد صححه البخاري بتخريجه في صحيحه!

فأقول: هو اجتهد في ذلك - رحمه الله - وقد يكون البخاري يخرّج الحديث في غير مظانه من أجل تضعيفه؛ وهذا لمسته في بعض أحاديثه ويحتاج لدراسة، والله أعلم.

شواهد الحديث

ذكر بعض من مال إلى تصحيح هذا الحديث أن له بعض الشواهد يتقوّى بها، وأن له أصلاً!

قال ابن حجر في «الفتح» رادّاً كلام الذهبي إنه لم يرو هذا الحديث إلا بهذا الإسناد: "ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً، منها: عن عائشة ... ".

وقد ضعّف الشيخ الألباني سند الحديث في تحقيقه للطحاوية، ثم قال على هامش الجامع: "كنت برهة من الزمن متوقفاً في صحة هذا الحديث، ثم تتبعت طرقه، فتبين لي أنه صحيح بمجموعها، وقد صححه جمع" انتهى.

وهذا تفصيل هذه الشواهد:

الشاهد الأول: عن عائشة

قال الإمام أحمد في «المسند» (6/ 256): حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وهو ابن خالد الخيّاط - وَأَبُو الْمُنْذِرِ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَاحِدِ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ أَذَلَّ لِي وَلِيًّا فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ: إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ وَفَاتِهِ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».

وأخرجه البزار في «مسنده» رقم (99) عن محمد بن المثنى، عن أبي عامر العقدي، عن عبدالواحد بن ميمون، به.

ثم روى له حديثين آخرين بهذا الإسناد، ثم قال: "ولا نعلم أسند عبدالواحد بن ميمون، عن عروة إلا هذه الأحاديث، ولا نعلم أحداً شاركه فيها عن عروة ولا عن عائشة رضي الله عنها".

وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الأولياء» (1/ 23) رقم (45) عن أَبي خَيْثَمَة، عن إِسْمَاعِيل بن عُمَرَ، قال: حدثنا عَبْدُالْوَاحِدِ مَوْلَى عُرْوَة بنِ الزُّبَيْرِ - وَكُنْيَتُهُ أَبُو حمزة-، ذَكَرَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، عَن عَائِشَةَ، به.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٠٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٠٥٨