وروى أبو داود السجستاني في «الزهد» عن الهيثم بن خالد الجهني: أنَّ محمداً العنقزي حدّثهم قال: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن عمّار الدهني، عن وهب بن منبه، قال: «إني أجد في كتاب الله: من عادى لي ولياً فهو كمن نصب لي الحرب».
وروى أبو نُعيم في «الحلية» (4/ 32) من طريق إبراهيم بن الحكم، قال: حدثني أبي، قال: حدثني وهب بن منبه قال: «إني لأجد في بعض كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: إن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه».
وروى أبو داود السجستاني في «الزهد» رقم (5) عن عمرو بن عثمان، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني حبيب - يعني ابن صالح الطائي - قال: حدثنا أبو الوفاء، عن طاوس اليماني، قال: «إني لأجد في بعض الكتب الذي أنزل الله تعالى: لن ينجو مني عبد إلا بأداء ما افترضت عليه، وما اقترب إليّ عبدي بأفضل من النصيحة، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا فعل ذلك، كنت قلبه الذي يعقل به، وبصره الذي يبصر به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استنصر بي نصرته».
قلت: وهذه الآثار كلها صحيحة إلى هؤلاء التابعين الأربعة الثقات.
وهؤلاء الأربعة: الحسن البصري (ت 110 هـ) وحسان بن عطية الشامي (توفي من 120 - 130 هـ)، ووهب بن مُنبه الصنعاني (ت 110 هـ)، وطاوس اليماني (ت 106 هـ)، من كبار التابعين وكانوا مشهورين برواية المراسيل ومنها ما يختص بالعبادة والزهد من الكتب القديمة، وأربعتهم كانوا من العبّاد الزّهاد - رحمهم الله -.
فهذا الحديث مشهور عند التابعين وأنه من كتب أهل الكتاب، ولم يسنده أحد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أسنده بعض الهلكى من أتباع التابعين، ثم أسنده خالد بن مخلد القطواني (ت 213 هـ) بهذا الإسناد، وقد تفرّد به!! فمثل هذا لا يُقبل منه سيما وأن له مناكير يتفرد بها.
ومن أهم القواعد في العلل أن الحديث إذا تفرد به أحد الرواة في طبقة متأخرة بإسناد غريب وكان له أصل مرسل، فإن الصواب هو المرسل، فتعلّ روايته بهذا المرسل.
والحديث الفرد الغريب يتوقف فيه أهل النقد إذا كان في طبقة متقدمة أحياناً، فكيف إذا كان في طبقة متأخرة مثل طبقة خالد بن مخلد مع نزول إسناده فيه!!
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: "والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديثٍ غريبٍ ولو كان من رواية مالك، ويحيى بن سعيد القطان، والثقات من أهل العلم، ولو احتجّ رجلٌّ بحديث غريبٍ وجدتَ من يطعن فيه".
قلت: فإذا كان المتفرد بالحديث مثل مالك والقطان وهما من هما في الحفظ والإتقان لا يسلما من النقد، فكيف ممن عرف بأنه ينفرد بالمناكير مثل خالد القطواني!
وقد ذكر أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ) شيخ الصوفية هذا الحديث ونسبه للنبيّ صلى الله عليه وسلم في سؤال له كما في ترجمته من «الحلية» (10/ 99) من طريق أحمد بن محمد بن مسروق قال: قال أبو عبدالله الحارث بن أسد - وسئل ما علامة محبة الله للعبد؟ فقال للسائل ... فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد، قال: ليس شيء أحب إلى الله من أداء الفرائض بمسارعة من القلب والجوارح والمحافظة عليها ثم بعد ذلك كثرة النوافل كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته ... ".
قلت: نسبة المحاسبي هذه الرواية إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يُعتمد عليها، وهو ليس من أهل الحديث، وهو معروف بصوفيته، وكان زاهداً عابداً، أُنكر عليه بعض الأمور في التصوف.