وبالجملة فمن أراد الاحتجاج بالحديث لا يستغني عن النظر في إسناده، بعد أن يكون له من المعرفة ما يؤهله لهذا الأمر، وإلا أوشك أن يَضل أو يُضل. والله الموفق".
قلت: يتضمن كلام الإمام المعلمي ما قصده الإمام الذهبي بهيبة الصحيح، فمثل هؤلاء الأئمة وإن كان الواحد منهم يذهب إلى أن هذا الحديث أو ذاك منكر، وهو ضعيف على مقتضى الصنعة الحديثية إلا أنهم لا يصرحون بذلك، بل يحاولون أن يعتذروا لصاحب الصحيح بأنه قد يكون احتج به بمعنى فهمه لا بالمعنى الذي يفهمه غيرهم، أو أنهم خرجوه لوجود شاهد أو زيادة معتبرة عندهم، وغير ذلك مما فيه بعد عن الحقيقة!!
فالمعلمي ذهب إلى ضعف إسناده ونكارته، وتأييده لمذهب الحلول والاتحاد! ثم اعتذر لصاحب الصحيح كما في سياق كلامه السابق أنه غلب على ظنّ المجتهد ثبوت الحديث عنده لا بكثرة الطرق! ثم رجع إلى الكلام حول أنه لا يُستغنى عن النظر في إسناد الحديث!! فكأن الشيخ - رحمه الله- تذكر هيبة الصحيح التي تكلّم عليها الإمام الذهبي.
وحتى كلام المعلمي في «الأنوار الكاشفة» لما ردّ على «أبو رية» مال أولاً إلى أنه ربما دخل لخالد أو شريك إسناد في إسناد، ثم رجع إلى قول البخاري في تخريجه!
قال: "ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث مع أن خالداً له مناكير وشريكاً فيه مقال. وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث علي ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع خطأ لخالد أو شريك، سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثاً آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر".
فهذا الحديث قد تفرّد به خالد بن مخلد، وهو صدوق يخطئ، وعنده مناكير، وكذلك شريك بن أبي نمر، ولكن العهدة في هذا الحديث على خالد، وشواهده كلها لا يُحتج بها - كما سيأتي بيانه إن شاء الله -.
والأئمة الذين تكلّموا في هذا الحديث لم يأت واحد منهم بعلته الحقيقية، وهي أن أصله مرسل مما رُوي من كتب أهل الكتاب! فلما رواه خالد بن مخلد أخطأ فيه وساقه بإسناد له معروف عنده فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأشبه أنه دخل عليه من الحديث المنكر الذي رواه عبدالواحد بن ميمون عن عروة بن الزبير عن عائشة بمثل حديث خالد!
فأصل حديث خالد هو حديث عبدالواحد - وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله - وأصل حديث عبدالواحد هو مراسيل لبعض التابعين من الإسرائيليات!!
روى عبدالرزاق في «الجامع» (11/ 192) قال: أخبرنا مَعمر عن الحسن، قال: يقول الله: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل ما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فأكون عينيه اللتين يبصر بهما، وأذنيه اللتين يسمع بهما، ويديه اللتين يبطش بهما، ورجليه اللتين يمشي بهما، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وإن استغفرني غفرت له».
وروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/ 218) عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسَّان بن عطية قال: «من عادى أولياء الله فقد آذن الله بالمحاربة، ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن أعان على خصومة لا علم له بها كان في سخط الله حتى ينزع، ومن فقأ مؤمناً بما لا علم له به وقفه الله في ردغة الخبال حتى يجيء منها بالمخرج، ومن خاصم لضعيف حتى يثبت له حق ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام، وقال الله: ما ترددت في شيء أريده تردادي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له منه».
ورواه الحسين بن الحسن المروزي في زياداته على «الزهد لابن المبارك» (ص 365) عن محمد بن كثير المصيصي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: «قال الله: لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضت عليه، وما يبرح عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، وما تقرب إليّ بشيء أفضل من النصيحة، فإذا فعل ذلك كنت قلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به، وبصره الذي يبصر به، أجبته إذا دعاني، وأعطيته إذا سألني، وأغفر له إذا استغفرني».