ونقل ابن حجر كلام الذهبي السابق في «الفتح» (11/ 341) ثم قال: "قلت: ليس هو في مسند أحمد جزماً، وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود! ومع ذلك فشريك شَيْخُ شَيْخِ خالد فيه مقال أيضاً، وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص وقدَّم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يُتابع عليها كما يأتي القول فيه مستوعباً في مكانه، ولكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً".
وقال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبليّ في «جامع العلوم والحكم»: "هذا الحديث انفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب ... وهو من غرائب الصحيح!! تفرَّد به ابن كرامة عن خالد، وليس في مسند أحمد مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلَّم فيه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: (له مناكير)، وعطاء الذي في إسناده قيل: إنه ابن أبي رياح، وقيل: إنه ابن يسار، وإنه وقع في بعض نسخ الصحيح منسوباً كذلك، وقد رُوي هذا الحديث من وجوه أُخر لا تخلو كلها عن مقال".
وقال الإمام المعلمي اليماني في كتاب «رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله» (ص 158): "بل إن في الصحيحين أو أحدهما، أحاديث قد انتقدها الحفاظ، مثل حديث البخاري: حدثنا محمد بن عثمان، حدثنا خالد بن مخلد ... فهذا الحديث قد تكلَّم فيه الذهبي في «الميزان» في ترجمة خالد بن مخلد. وخالد بن مخلد، قال فيه الإمام أحمد: (له أحاديث مناكير). وقال ابن سعد: (كان متشيعاً، منكر الحديث، في التشيع مُفرط، وكتبوا عنه للضرورة). وقال صالح جزرة: (كان ثقة في الحديث، إلا أنه كان متهماً بالغلو). وقال ابن أعين: (قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل لي في المثالب أو المثاقب). وقال أبو حاتم: (يُكتب حديثه، ولا يُحتج به)، وذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء، وقال ابن معين: (ما به بأس).
وحاصل القول فيه: أنه صدوق يَهم ويُخطئ، ويأتي بالمناكير، ولا سيما في التشيع، فإنه كان غالياً فيه. ومثل هذا يتوقف عما انفرد به، ويُرد ما انفرد به بما فيه تهمة تأييد لمذهبه. وقد تفرد بهذا الحديث كما ذكره الذهبي وكذا الحافظ ابن حجر في مقدمة «الفتح»، وفي هذا الحديث تهمة تأييد مذهب غلاة الرافضة في الاتحاد والحلول، وإن لم يُنقل مثل ذلك عن خالد، وقد أسندت إلى هذا الحديث بدع وضلالات تصطك منها المسامع، والله المستعان. وفي سنده أيضاً، شَريك بن عبدالله بن أبي نمر، وحاصل كلامهم فيه أنه: صدوق يخطئ. وقال الحافظ في «الفتح» بعد أن نقل كلام الذهبي، والكلام في شريك: (ولكن للحديث طريق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً)، ثم ذكر الحافظ تلك الطرق، وعامتها ضعاف، إلا أنه ذكر أن الطبراني أخرجه من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة عن عائشة، وأن الطبراني أخرجه عن حذيفة مختصراً، وقال: (وسنده حسن غريب).
أقول: أما رواية حذيفة فمع الغرابة، هو مختصر، وكأنه ليس فيه تلك الألفاظ المنكرة. وينبغي النظر في سنده، فإن الحافظ ربما تسامح في التحسين، وكذا ينبغي النظر في سند الطبراني إلى يعقوب بن مجاهد، فأخشى أن يكون فيه وهم، والمشهور رواية عبدالواحد بن ميمون عن عروة، وعبدالواحد متروك الحديث.
وبالجملة، فاقتصار الحافظ على قوله: إن تلك الطرق يدل مجموعها على أن له أصلاً، ظاهر في أنه ليس في شيء منها ما يصلح للحجة، ودلالة مجموعها على أن له أصلاً لا يكفي إثبات هذه الألفاظ المنكرة. ولا يدل إيراد هذه الألفاظ ما يزعم الملحدون، لمَ ذكر هذا الحديث في صحيحه؟ وهذا من المهمات، فإن كثيراً من الأئمة قد يقبل الحديث؛ لأنه يتحمله على معنى له شواهد وعواضد بمعونتها ليستحق القبول. فيجيء بعض الناس يحتج بالحديث على معنى منكر، قائلاً: قد قبله فلان من الأئمة! فليتنبه لهذا.
ومما ينبغي التنبيه له أيضاً: أن الشيخين أو أحدهما قد يوردان في الصحيح حديثاً ليس بحجة في نفسه، وإنما يوردانه؛ لأنه شاهد لحديث آخر ثابت، ثم قد يكون في هذا الحديث الذي ذكراه شاهداً، زيادة لا شاهد لها. فيجيء من بعدهما يحتج به بالنسبة لتلك الزيادة، وربما حمل الحديث على معنى آخر غير المعنى الذي فهمه صاحب الصحيح وبنى عليه أنه شاهد للحديث الآخر.