ونُقل ذلك عن الإمام أحمد.
قال أبو داود في «مسائل أحمد» «بَاب التَّرَاوِيحِ» (ص: 90): سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ.
وسَمِعْتُهُ أَيْضًاً يَقُولُ: "يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» ".
قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الإِمَامُ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِالنَّاسِ وَنَاسٌ فِي المَسْجِدِ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ؟ فَقَالَ: "لا يُعْجِبُنِي، يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلُّوا مَعَ الْإِمَامِ".
فَقِيلَ لِأَحْمَدَ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يُوتِرُ الْإِمَامُ بِثَلَاثٍ، أُوتِرُ أَوْ أَنْصَرِفُ، فَأُوتِرُ وَحْدِي؟ قَالَ: "تُوتِرُ مَعَهُ"، قِيلَ: يَضِجُّونَ فِي الْقُنُوتِ؟ قال: "أَوْتِرْ مَعَهُ".
قِيلَ لِأَحْمَدَ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يُؤَخِّرُ القِيَامَ، يَعْنِي: التَّرَاوِيحَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: "لا، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ".
قال أبو داود: "وكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ حَتَّى يُوتِرَ مَعَهُمْ وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ، شَهِدْتُهُ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ يُوتِرُ مَعَ إِمَامِهِ إِلَّا أُرَى لَيْلَةً لَمْ أَحْضِرْ".
وقال إسحاق بن راهوية عن قول أحمد: "يعجبني أن يصلي في الجماعة يحيي السنة" في «مسائله» (2/ 759): "أجاد، كما قال".
وقال الألباني في كتاب «صلاة التراويح» (ص: 15) بعد أن خرّج الحديث وصححه: "والشاهد من الحديث قوله: «من قام مع الإمام ... » فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة صلاة قيام رمضان مع الإمام يؤيد هذا ما ذكره أبو داود في المسائل (ص 62) قال: سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال: يصلي مع الناس ... ".
قلت: مذهب الإمام أحمد معروف في العمل بمثل هذه الأحاديث، وليس معنى العمل به عنده أنه يصححه، لكن ظاهر إسناده مقبول سيما وقد رواه في «مسنده»، وهذه طريقة الإمام في العمل بهذه الأحاديث، ولاحظ قوله في اختياراته: "يعجبني" فهذا رأيه. وكذا كان إسحاق بن راهويه كان يعمل بمثل هذه الأحاديث. والله أعلم.
·…الخلاصة والفوائد:
1 - الحديث تفرد به داود بن أبي هند عن الوليد بن عبدالرحمن الجرشي عن جُبير بن نُفير عن أبي ذر. وكلام البزار عن ذلك فيه إشارة إلى إعلاله.
2 - الحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم وتبعهم المتأخرون والمعاصرون.
3 - إسناد الحديث شامي! ولم يروه أحد من أصحاب الوليد بن عبدالرحمن الجرشي عنه! كيونس بن ميسرة بن حلبس، ومحمد بن مهاجر، وعبدالله بن العلاء بن زبر، وإبراهيم بن أبي عبلة، وخالد بن دهقان!
4 - لم يروعن الوليد بن عبدالرحمن من العراقيين غير داود بن أبي هند البصري.
5 - داود بن أبي هند البصري (ت 139 هـ) ثقة إلا أنه كان يهم في الحديث، وغالب أوهامه في متون الأحاديث. وكأن تلك الأوهام حصلت له بسبب مرض الطاعون الذي أُصيب به!
6 - هناك أحاديث كثيرة اختلف فيها أصحاب داود عليه، وغالب الاختلافات منه.
7 - نزل داود بن أبي هند الشام وهو شيخ وحدث بها، وتفرد بالرواية عن بعض الشاميين ممن لا يعرفون إلا من طريقه! وسمع الحديث من بعض الشيوخ ممن هم في عداد أقرانه كالوليد الجرشي.
8 - عادة إذا روى الأقران عن بعضهما فإن هذا يُعدّ من الفوائد التي ليست منتشرة أو مشتهرة!! وكثيراً ما يتخلل تلك الروايات الأوهام لعدم العناية بها كونها من رواية الأقران!
9 - لم يُخرّج البخاري حديث داود بن أبي هند وكأن ذلك بسبب كثرة أوهامه في الأحاديث!! وعلق له أربعة أحاديث، وتعليقه لها ليبيّن أن فيها بعض الأوهام والاضطراب!