قلت: نعم الشعبي أدرك أبا هريرة، ولم أجد أحداً من أهل العلم تكلّم في سماعه منه، لكنهم قالوا بأن روايته عن عائشة مرسلة! وأبو هريرة توفي في السنة التي توفيت فيها عائشة سنة (57 هـ).
والشعبي يُدخل واسطة بينه وبين أبي هريرة كما قال الترمذي، وهذه مظنة عدم السماع!
قال أبو حاتم الرازي: "لا أَدْرِي سَمِعَ الشَّعْبِيُّ مِنْ سَمُرَةَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ أُدْخِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رَجُلٌ".
فهنا استدل أبو حاتم بوجود الواسطة إلى عدم ثبوت السماع، ومثله في إدخال الواسطة بين الشعبي وبين أبي هريرة، والله أعلم.
والذي يظهر أن البخاري يثبت سماعه من أبي هريرة؛ فإنه خرّج له حديثين أحدهما في كتاب «الرهن»، والآخر في كتاب «التفسير» - سورة الزمر.
قال الحافظ في «فتح الباري» (5/ 144) عند شرحه لحديثه في الرهن: "ولَيْسَ لِلشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي البُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي تَفْسِيرِ الزُّمَرِ، وَعَلَّقَ لَهُ ثَالِثًا فِي النِّكَاحِ".
والذي يظهر لي أن البخاري علّق حديث داود بن أبي هند لوهم فيه! وهذا ما أشار إليه أيضاً في جوابه على سؤال للترمذي.
روى الترمذي في «العلل الكبير» (280) قال: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، قال: قَرَأْتُ عَلَى الشَّعْبِيِّ كِتَابًا فِيهِ: عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا». فقال الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ هَذَا مِنْ جَابِرٍ.
قال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا الحَدِيثِ؟
فقال: "يُحَدِّثُ الشَّعْبِيُّ عَنْ صَحِيفَةِ جَابِرٍ"، ولمْ يَعْرِفَ حَدِيثَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ.
وقال دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدَ: عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ".
والذي أذهب إليه أنه لم يثبت سماع الشعبيّ من أبي هريرة - رضي الله عنه- وما صحّ إلى الشعبي عن أبي هريرة فهو مرسل، وهو قليل جداً.
وقد فصلت ذلك في بحثي: بلوغُ الأَمل في حكم حديث «اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أوْ أُضَلَّ، أَو أزِل أَوْ أُزَل».
والشعبي لا يُعرف في أصحاب أبي هريرة، وما رُوي عنه من حديث عن أبي هريرة فيه اختلاف في إسناده وفي بعض المتون، فنقدّم رواية أصحاب أبي هريرة المعروفين، ومن ذلك يمكن تبين إذا كان هذا الراوي سمع من الصحابي أم لا!
·…رواية أخرى معلولة لداود عن ابن سيرين عن أبي هريرة!
وهناك رواية أخرى عن داود عن ابن سيرين عن أبي هريرة!
رواها مسلم في «صحيحه» (2/ 1030) (1408) من طريق عَلِيّ بن مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ ابنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ رَازِقُهَا».
قال ابن حجر في «فتح الباري» (9/ 160): "وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، فقال: عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَانَ لداود فِيهِ شيخين وَهُوَ مَحْفُوظٌ لِابنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الوَجْهِ".
قلت: لم يتابع علي بن مسهر عليه!! فإن كان محفوظاً فيكون الوهم فيه من داود، والله أعلم.
ورواه البزار في «مسنده» (17/ 252) (9934) قال: حَدَّثَنا إبراهيم بن زياد، قال: حَدَّثَنا منجاب، قال: حَدَّثَنا علي بن مسهر، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْد، عَنِ الشَّعْبِيِّ ومحمد بن سيرين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها».