لا يألفُ الدرهمُ المضروبُ صُرَّتَنا *** لكن يمرُّ عليها وهو ينطلق
فقد يكون الراوي قد وهم في حديثين أو ثلاثة، فلا يقال فيه: «يهم»، وإنما اللفظ الصحيح أن يقال: «يهم في بعض ما يروي»، وإذا كثرت أوهامه وغلبت على نباهته، فيقال فيه حينئذٍ: «يهم»، وهو التعبير الذي يفيد استمرار وهمه في أغلب ما يرويه" انتهى.
قلت: إذا كان ابن حجر أخذ قوله من فهم أبي داود فنعم الفهم هو، وأنّى لمن لم يعرف علم الحديث أن يتحدث عن فهم هؤلاء الكبار!!
ونرد على كلام صاحبي التحرير بما يأتي:
أولاً: ابن حجر أخذ كلامه من قول ابن حبان ولم ينقل كلام أبي داود في «تهذيب التهذيب»، وإنما نقل كلام ابن حبان.
ثم كيف كلامه ليس بجيد وهو قد بدأ كلامه على داود بقوله: " ثقة متقن"!!! فهو قد نص على ثقته وإتقانه إلا أنه كان يهم في آخر عمره، وهذا قد حصل لكثير من الرواة.
ثانياً: قولهما إن هذا كلام أبي داود وحده إنما هو لقصر نظرهما ومعرفتهما بأقوال أهل العلم!
فها هو أحمد الذي بدأآ بكلامه في توثيق داود نقل عنه الأثرم في داود بأنه "كثير الاضطراب والخلاف"! وهذا النص يوجد أمامهما في تهذيب ابن حجر! فأين هما منه؟!!
ثالثاً: قول ابن حبان فيه إقرار بأنه كان يهم، ومع وهمه إلا أنه لا يصل للترك - بحسب ما يراه-، وكأني بابن حبان أنه يغمز الإمام البخاري لعدم احتجاجه بداود وتخريج حديثه!
وهذا ديدن ابن حبان في الغمز بالإمام البخاري فيمن لم يخرج حديثهم في كتابه ويحتج بهم كما قال في ترجمة «حماد بن سلمة» من كتاب «الثقات» (6/ 216): "وَلم ينصف من جَانب حَدِيثه وَاحْتج بِأبي بكر بن عَيَّاش فِي كِتَابه وبابن أخي الزُّهْرِيّ وَبِعَبْد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار فَإِن كَانَ تَركه إِيَّاه لما كَانَ يخطئ فَغَيره من أقرانه مثل الثَّوْريّ وَشعْبَة ودونهما وَكَانُوا يخطؤن فَإِن زعم أَن خطأه قد كثر من تغير حفظه فقد كَانَ ذَلِك فِي أبي بكر بن عَيَّاش مَوْجُودا وأنى يبلغ أَبُو بكر حَمَّاد بن سَلمَة وَلم يكن من أَقْرَان حَمَّاد مثله بِالْبَصْرَةِ فِي الْفضل وَالدّين وَالْعلم والنسك وَالْجمع والكتبة والصلابة فِي السّنة والقمع لأهل الْبِدْعَة وَلم يكن يثلبه فِي أَيَّامه إِلَّا قدري أَو مُبْتَدع جهمي لما كَانَ يظْهر من السّنَن الصَّحِيحَة الَّتِي ينكرها الْمُعْتَزلَة وأنى يبلغ أَبُو بكر بن عَيَّاش حَمَّاد بن سَلمَة فِي إتقانه أَو فِي جمعه أم فِي علمه أم فِي ضَبطه".
رابعاً: وأما كلامهما في لفظ «يهم» وأنه لفظ غير دقيق فإن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء!! ففيه نظر! فأئمة الجرح والتعديل لا ينظرون في اصطلاحاتهم إلى دقائق اللغة وبلاغتها، واصطلاحاتهم مفهومة فيما بينهم ولا نحملها ما لا تحتمل بمثل هذا التمحل! كما فعل بعض المعاصرين في التفرقة بين قولهم «ليس بقوي» و «ليس بالقوي» اعتماداً على اللغة ووجود «أل» التعريف في المصطلح!
فقالوا: «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقاً وإن لم تثبت الضعف مطلقاً، وكلمة: «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة!! ونسبوا هذه التفرقة للإمام النسائي! وحقيقة الأمر أنه لا فرق بينهما لا عند النسائي ولا غيره من النقاد كما فصّلته في موضع آخر.
ولو وافقناهما على رأيهما في "أن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء" فكلام ابن حجر لا يخالف هذا القول؛ لأنه نص على استمرار ذلك في آخر عمره: «كان يهم بأخرة»، فوهمه كان في تحديثه الذي حدث به في آخر عمره لا قبل ذلك، فلم يقصد ابن حجر أنه كان يهم دائماً طوال تحديثه.
ومصطلح ابن حجر في كتابه في الغالب لمن غلب على حديثه الوهم أنه كان يقول فيه «صدوق يهم»، وأما داود فإنه حدد فترة الوهم عنده بأنه كانت في آخر عمره.