فقال:
"يَرْوِيهِ مَكْحُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فرَوَاهُ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ دَاوُدَ بنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَرْفُوعًا.
وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ.
وَرَوَاهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ، فوقَفَاهُ.
وقال قَحْذَمٌ: سَمِعْتُ مَكْحُولًا، يَقُولُ: لَمْ يُتَجَاوَزْ به، والأشبه بالصواب مرفوعاً، وهو أشهر".
قلت:
قال ابن عساكر كما في «معجمه» (2/ 965): "هذا حديث غريب ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة".
وكان داود أيضاً يهم في حديثه ويخالف غيره من الثقات!
ومن أمثلة ذلك:
* قال ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 471) (49): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رواه داود بن أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَير، عن جابر: أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّام ٍ»؟
قال أَبِي: "هذا خطأٌ؛ إِنَّمَا هُوَ على مَا رَوَاهُ الثِّقات عَنْ أَبِي الزُّبَير، عَنْ طَاوُسٍ، عن أبي هريرة، موقوفً".
قلت: سلك داود الجادة فوهم فيه.
ومنها أيضاً:
* سُئِلَ الدارقطني في «العلل» (6/ 83) (994) عَنْ حَدِيثِ الحَارِثِ بنِ عُمَيْرَةَ عَنْ مُعَاذٍ قالَ: «إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ»؟
فقال:
"يَرْوِيهِ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ دَاوُدُ بنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ عَنْ مُعَاذٍ.
وخَالَفَهُ عَبْدُالحَمِيدِ بنُ بِهْرَامٍ، فَرَوَاهُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ عَنِ الحَارِثِ بنِ عُمْيَرَةَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ".
·…سبب وقوع داود بن أبي هند في الأوهام!
وعليه فقد أصاب ابن حبان وابن حجر في قولهما بأنه كان يهم، وسبقهما بهذا الأئمة النقاد بالكلام على أوهامه عملياً في كتب العلل. ولهذا نبّه أبو داود على مخالفته لغيره في غير حديث، وكذلك الإمام أحمد قبله أنه يُختلف عليه!
وكأن السبب في أوهامه - مع وصفه بالثقة والاتقان- هو الطاعون الذي أصابه! والمرض عادة يؤثر على حفظ الراوي وخاصة في آخر عمره.
قال - رحمه الله-: "مرضت مرضاً شديداً حتى ظننت أنه الموت".
فربما بسبب هذا المرض نسي ما كان يحفظه، فإذا حدّث من حفظه وهم في حديثه.
·…تعقّب صاحبي التحرير للحافظ ابن حجر! والرد على تعقبهما!
وبعد كلّ ما ذكرناه وحررناه من ثبوت أوهام داود بن أبي هند في بعض الأحاديث، ومخالفته فيها، وكذلك ما سيأتي من كيفية تعليق البخاري لحديثه، يتبيّن لنا وهاء ما زعم بشار معروف وشعيب الأرنؤوط من تحرير ترجمة داود بن أبي هند والرد على ابن حجر في قوله فيه!!! ولا بأس من إيراد قولهما وبيان عدم معرفتهما بهذا الشأن!
قال بشار معروف وشعيب الأرنؤوط في كتابهما «تحرير تقريب التهذيب» (1/ 378) (1817): "قوله: «كان يهم بأخرة» ليس بجيد، أخذه - حسب فهمه - من أبي داود الذي انفرد به، قال أحمد: ثقة ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. ووثقه سفيان بن عيينة، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان وغيرهم. وقال أبو داود وحده: «رجل البصرة إلا أنه خولف في غير حديث». وهذا الكلام الذي ساقه أبو داود لا ينبغي أن يُذكر، لأن ما من أحد من الثقات المتقنين إلا خولف في بعض الأحاديث، قال ابن حبان: «وقد روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه. وكان داود من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات إلا أنه كان يهم إذا حدّث من حفظه، ولا يستحق الإنسان الترك بالخطأ اليسير .... ». قلنا: وينبغي التنّبه إلى أن لفظ «يهم» لفظ غير دقيق فإن المضارع إذا كان يدلّ على المدح أو الذم يفيد الاستمرار عند البلغاء، من ذلك قول الشاعر: