أما ما يقال من أن القرآن لم يذكر فيه معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم سوى
القرآن نفسه؛ فعلى فرض أن لا يصح شيء مما نقل في كتب الأحاديث من المعجزات
مع أنها أشبه بالأناجيل عندنا يجاب عنه بأن هذا لا يقدح في رسالته، بل هو أوضح
دليل على صدقه في دعواه؛ إذ لو كان ملبسا أو مفتريا (والعياذ بالله) لما أعوزه
التمويه ببعض الغرائب المخترعة ليشبه على أصحابه ويحمل الناس على الإعجاب
بغرائبه. وقد رأينا أن المسيح عليه السلام كان يوبخ اليهود على مطالبتهم له
بالمعجزات، والذي يظهر لنا أنه لولا قساوة قلوبهم وعنادهم لما عول في دعواه
عليها.
على أن الأعاجيب التي رويت عن المسيح عليه السلام أصبحت في هذه
الأيام مما يعد عقبة في طريق الاعتقاد بدينه فكثير من الناس يحسبون الدين سهل
القبول لولاها. فعدول محمد (صلى الله عليه وسلم) في إثبات نبوته عن سبيل
الغرائب واكتفاؤه من المعجزة بكتابه وصدق أنبائه، والبراهين العقلية التي تحدق
إليها البصائر السامية، كل ذلك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم على صدقه،
ولا إشكال فيه بل هو عين ما يطلبه المسلمون.
ثم إن المسلمين لا يقفون في إثبات دينهم عند نهاية هذا الحد ولكنهم يذهبون إلى
أن لهم في الكتب السابقة أدلة بينة على صدق كتابهم ونبيهم، صلى الله عليه وسلم
وهم على يقين أن الأنبياء السابقين (عليهم الصلاة والسلام) قد توالت أنباؤهم على
التبشير بنبيهم كما نقول في عيسى عليه السلام، وما يذهب إليه المسيحيون في تأويل
بعض الأخبار المأثورة عن الأنبياء أو الأصفياء الأولين يخالفهم فيه المسلمون إلى
تأويل أفضل لهم، وقد نجد التأويل الثاني ألصق بعبارة النبأ، فإن لم يكن فإنا نرى
التأويلين في كفتين متعادلتين، وإنما يرجح كلا إلف صاحبه وميله، ولذلك أمثال
كثيرة يطول سردها ويسهل على الطالب إيجادها.
أذكر ما نبهني إليه أحد أصدقائي المسلمين من معنى العددين المذكورين في
آخر كتاب دانيال النبي عليه السلام وهما عدد 1290 وعدد 1335، فبعد أن بين
بتاريخ انقطاع الذبيحة اليومية من يوم بني منسه ملك اليهود مذابح للأصنام في هيكل
القدس، وفسر الصنم المصوغ الذي نصبه الملك في القدس بالرجس المخرب، وعبر
عن الخراب بتسخير الأوديين لأورشليم فأراني كيف أن أحد العددين المذكورين يأتي
بنا إلى زمان الهجرة النبوية، وأن الثاني ينتهي بنا إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان
عندما أتم المسلمون فتوحاتهم في سورية ومصر وفارس وأفريقيا، وكيف قطعت
مصالحة الحسن بن علي دابر الشقاق بين الأمة، وسكن المسلمون الأرض آمنين
مطمئنين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولست أحكم بصحة التأويل ولا عدمها،
ولكن أقول: إنه ليس بأقل جودة من بعض ما أول به قوم آخرون.
وأهم ما نقصد الآن أن يعرف النصارى عندنا في إنكلترا كيف يستدل
المحمديون بأنباء كتب اليهود والنصارى على إثبات دينهم وتحقيق يقينهم.
بقي شيء يشتد الإنكار فيه منا على المسلمين وهو اعتقادهم بجنة جسمانية فيها
من الحور العين ما تشتهيه نفوس المؤمنين، على أني أقول: وما إنكارنا ونحن
نرى في كتاب نشيد الأناشيد المنسوب إلى سليمان بن داود (عليه السلام) عبارات إن حملت على ظاهرها كانت أدخل في الجسمانية وعالم المادة من كل ما ينسب إلى
القرآن غير إننا لمحنا من درس فصول ذلك الكتاب في ترجمته المشهورة أن تلك
كنايات عن محبة المسيح لأمته، ثم إننا نرى ذكرا صريحا للجنة الجسمانية في
مكاشفات يوحنا المعدودة عندنا خاتمة الأناجيل، فإنه يذكر وصف أورشليم الجديدة وهي الجنة ومساحتها الدقيقة وحدودها وما فيها من أبواب من لؤلؤ وأزقة من ذهب
وجدران من جوهر ويفيض فيما رواه ذلك مما لم يأت القرآن عليه. وإن لنا
عبارة تألفها نفوسنا ونترنم بها في عبادتنا مع الافتخار إذ نقول: (أورشليم