بتسليمة أم بتسليمتين، وهل كانوا يقنتون في الوتر أم في الصبح، وهل كان
المؤتمون يقرؤون أم ينصتون، وهل كانوا يرفعون الأيدي عند تكبيرات الانتقال أم
لا يرفعون، وهل يعقدون الأيدي أم يرسلونها. فإذا كان الأئمة والعلماء الأقدمون
هذا شأنهم في التباين والتخالف في تحقيق كيفية عبادة فعلية هي عماد الدين، أعنى:
الصلاة التي هي من المشهودات المتكررات وتؤدى بالجموع والجماهير؛ فكيف
يكون شأنهم في الأحكام التي تستند إلى قول أو فعل أو سكوت صدر عن النبي
صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات فقط ورواها فرد أو أفراد.
فعلى هذا لا أرى من مانع أن نترك النقول المتخالفة خصوصا منها المتعلق
بالبعض القليل من الأصول ونجتمع على الرجوع إلى ما نفهمه من النصوص أو ما
يتحقق عندنا حسب طاقتنا أنه جرى عليه السلف، وبذلك تتحد وجهتنا ويتسنى لنا
الاتفاق على تقرير ما نقرره، ويقوى الأمل في قبول الأمة منا ما ندعوها إليه.
وإني أسلفكم أيها السادات أنه يبقى أن لا يهولنا ما ينبسط في جمعيتنا من تفاقم
أسباب الضعف والفتور كيلا نيأس من روح الله، وأن لا نتوهم الإصابة في قول من
قال: إننا أمة ميتة فلا ترجى حياتنا، كما لا إصابة في قول من قال: إذا نزل
الضعف في دولة أو أمة لا يرتفع. فهذه الرومان واليونان والأمريكان والطليان
واليابان وغيرها كلها أمم أمثالنا استرجعت نشأتها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم
الأدبية للحياة السياسية.
بل ليس بيننا ولا سيما عرب الجزيرة منا وبين أعظم الأمم الحية المعاصرة
فرق سوى في العلم والأخلاق العالية على أن مدة حضانة العلم عشرون عاما فقط
ومدة حضانة الأخلاق أربعون سنة، فعلينا أن نثق بعناية الله الذي لا يعبد سواه
وبهذا الدين المبين الذي نشر لواء عزه على العالمين ولم يزل بالنظر لوضعه الإلهي
دينا حنيفا متينا محكما مكينا لا يفصله ولا يقاربه دين من الأديان في الحكمة والنظام
ورسوخ البنيان، ثم أيقنوا أيها الإخوان أن الأمر ميسور، وأن ظواهر الأسباب
ودلائل الأقدار مبشرة بأن الزمان قد استدار ونشأ في الإسلام أنجاب أحرار وحكماء
أبرار يعد واحدهم بألف وجمعهم بألف ألف، فقوة جمعية منتظمة من هؤلاء النبلاء
كافية لأن تخرق طبل حزب الشيطان وتسترعي، سمع الأمة مهما كانت في رقاد
عميق وتقودها إلى النشاط، وإن كانت في فتور مستحكم عتيق.
على أن محض انعقاد جمعيتنا هذه لمن أعظم تلك المبشرات خصوصا إذا وفقها
الله تعالى بعنايته لتأسيس جمعية قانونية منتظمة؛ لأن الجمعيات المنتظمة يتسنى لها
الثبات على مشروعها عمرا طويلا يفي بما لا يفي به عمر الواحد الفرد وتأتي بأعمالها
كلها بعزائم صادقة لا يفسدها التردد، وهذا هو سر ما ورد في الأثر من أن يد الله مع
الجماعة، وهذا هو سر كون الجمعيات تقوم بالعظائم وتأتي بالعجائب وهذا هو
سر نشأة الأمم الغربية وهذا سر النجاح في كل الأعمال المهمة لأن سنة الله في خلقه
أن كل أمر كليا كان أو جزئيا لا يحصل إلا بقوة وزمان متناسبين مع أهميته، وأن كل
أمر يحصل بقوة قليلة في زمان طويل يكون أحكم وأرسخ وأطول عمرا مما إذا حصل
بمزيد قوة في زمان قصير، وكلنا يعلم أن مسألتنا أعظم من أن يفي بها عمر إنسان
ينقطع أو مسلك سلطان لا يطرد شأو قوة عصبية حضرية حمقاء تفور سريعا وتغور
سريعا.
وإذا تفكرنا أن مبدأ أعظم الأعداد اثنان؛ فكذلك مبدأ الجمعيات شخصان ثم
تتزايد حتى تكمل وتتقلب أشكالا حتى ترسخ، فعلى هذا لا يبعد أن يتم لنا انعقاد
جمعية منتظمة تنعقد الآمال بناصيتها. ولا ينبغي الاسترسال مع الوهم إلى أن
الجمعيات معرضة في شرقنا لتيار السياسة فلا تعيش طويلا، ولا سيما إذا كانت
فقيرة ولم تكن كغالب (الأكاديميات) ؛ أي: المجامع العلمية تحت حماية رسمية بل
الأليق بالحكمة والحزم الإقدام والثبات وتوقع الخير إلى أن يتم المطلوب.