تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبتدقيق النظر في النشريات والمقالات التي جادت بها أقلام الفضلاء في هذا

الموضوع نرى كلها دائرة على أربعة مقاصد ابتدائية:

(الأول) منها بيان الحالة الحاضرة ووصف أعراضها بوصف عام وصفا

بديعا يفيد التأثر ويدعو إلى التدبر، على أن ذلك لا يلبث إلا عشية أو ضحاها.

(والثاني) بيان أن سبب الخلل النازل هو الجهل الشامل، بيان إجمال

وتلميح، مع أن المقام يقتضي عدم الاحتشام من التفصيل والتشريح.

(والثالث) إنذار الأمة بسوء العاقبة المحدقة بها إنذارا هائلا تطير منه

النفوس مع أن الحال الواقع لا تغني فيه النذر.

(والرابع) توجيه اللوم والتبعة على الأمراء أو العلماء أو على الأمة كلها

لتقاعدهم عن استعمال قوة الاتفاق على النهضة، مع أن الاتفاق وهم متشاكسون

متعذر لا متعسر.

فهذه المقاصد القولية قد استوفت حقها من أنواع بدائع الأساليب، وآن أوان

استثمارها وذلك لا يتم إذا لم يشخص المرض أو الأمراض المشتركة تشخيصا دقيقا

سياسيا، فالبحث أولا عن مراكز المرض ثم جراثيمه ليتعين بعد ذلك الدواء الشافي

الأسهل وجودا والأضمن نتيجة، وبالتنقيب ثانيا عن تدبير إدخاله في جسم الأمة

بحكمة تصرع العناد والوهم، وتتغلب على مقاومة أعضاء الذوق والشم.

ثم أظنكم أيها السادة تستحسنون الاكتتام الذي اختاره أكثر هؤلاء الكتاب

الأفاضل؛ لأن لذلك محسنات بل موجبات شتى ينبغي أن تستعملها جمعيتنا أيضا

فلنحرص كلنا على الاكتتام؛ لأن من موجباته التزام كل منا المشرب العمري، أعني

القول الصريح في النصيحة للدين بدون رياء ولا استحياء ولا مراعاة ذوق عامة أو

عتاة؛ لأن حياء المريض مهلكة، وكتم الأمر المستفيض سخافة، والدين النصيحة،

ولا حياء في الدين.

ومن موجبات الاكتتام أيضا أن كل ما يتخالج الفكر في موضوع مسألتنا

معروف عند الأكثرين ولكن بصورة مشتتة، والناس فيه على أقسام: فصنف العلماء

إما جبناء يهابون الخوض فيه، وإما مراءون مداجون يأبون أن تخالف أقوالهم

أحوالهم، وباقي الناس يأنفون أن يذعنوا لنصح ناصح صادع غير معصوم، ولذلك

كان القول من غير معرفة القائل أرعى للسمع وأقرب للقبول والقناعة وأدعى

للإجماع.

ثم أظنكم أيها الإخوان تستصوبون أن نترك جانبا اختلاف المذاهب التي نحن

متبعوها تقليدا، فلا نعرف مآخذ كثير من أحكامها، وأن نعتمد ما نعلم من

الكتاب وصحيح السنة وثابت الإجماع؛ وذلك لكيلا نتفرق في الآراء، وليكون ما

نقرره مقبولا عند جميع أهل القبلة؛ إذ إن مذهب السلف هو الأصل الذي لا يرد، ولا

تستنكف الأمة أن ترجع إليه وتجتمع عليه في بعض أمهات المسائل؛ لأن في ذلك

التساوي بين المذاهب، فلا يثقل على أحد نبذ تقليد أحد الأئمة في مسألة تخالف

المتبادر من نص الكتاب العزيز أو تباين صريح السنة الثابتة في مدونات الصدر

الأول.

ولا يكبرن هذا الرأي على البعض منكم فما هو برأي حادث بين المسلمين. بل

جميع أهل جزيرة العرب ما عدا أخلاط الحرمين على هذا الرأي، ولا يخفى عليكم

أن أهل الجزيرة وهم من سبعة ملايين إلى ثمانية كلهم من المسلمين السلفيين عقيدة

الحنابلة , أو الزيدية أو الشافعية مذهبا وقد نشأ الدين فيهم وبلغتهم فهم أهله وحملته

وحافظوه وحماته وقلما خالطوا الأغيار أو وجدت فيهم دواعي الغرباء والتفنن في

الدين لأجل الفخار ولا يعظمن على البعض منكم أيضا أنه كيف يسوغ لأحدنا أن

يثق بفهمه وتحقيقه مع بعد العهد ويترك تقليد من يعرف أنه أفضل منه وأجمع عملا

وأكثر إحاطة واحتياطا. ولا أظن أن فينا من ليس في نفسه إشكال عظيم لوجود

اختلافات واضطرابات مهمة بينهم ما بين نفي وإثبات حتى في كثير من الأمور

التعبدية الفعلية التي مأخذها المشاهدة المتكررة ألوف مرات مثل: هل كان النبي

عليه الصلاة والسلام ثم جمهور أصحابه عليهم الرضوان يصلون وتر العشاء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٢