﴿ كذب أصحب لئيكة المرسلين ﴾ الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة فبعث الله إليهن شعيبا كما بعثه إلى مدين وكان أجنبيا منهم فلذلك قال:
﴿ إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ﴾ ولم يقل أخوهم شعيب. وقيل الأيكة شجرة ملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» بحذف الهمزة وإبقاء حركتها على اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ليكة وهي اسم بلدتهم، وإنما كتبت ها هنا وفي ص بغير ألف اتباعا للفظ.
﴿ إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العلمين ﴾.
﴿ أوفوا الكيل ﴾ أتموه. ﴿ ولا تكونوا من المخسرين ﴾ الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.
﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ بالميزان السوي، وهو وإن كان عربيا فإن كان من القسط ففعلاس بتكرير العين وإلا ففعلال. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف. ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ ولا تنقصوا شيئا من حقوقهم. ﴿ ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ﴾ بالقتل والغارة وقطع الطريق.
﴿ واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين ﴾ وذوي الجبلة الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق.
﴿ قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا ﴾ أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافين للرسالة مبالغة في تكذيبه. ﴿ وإن نظنك لمن الكذبين ﴾ في دعواك.
﴿ فأسقط علينا كسفا من السماء ﴾ قطعة منها، ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد. وقرأ حفص بفتح السين. ﴿ إن كنت من الصدقين ﴾ في دعواك.
﴿ قال ربي أعلم بما تعملون ﴾ وبعذابه منزل عليكم ما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة.
﴿ فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ﴾ على نحو ما اقترحوا بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت أنهارهم وأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. ﴿ إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾.
﴿ وإن ربك لهو العزيز الرحيم ﴾ هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديدا للمكذبين به، وإطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به يدفع أن يقال إنه كان بسبب اتصالات فلكية أو كان إبتلاء لهم لا مؤاخدة على تكذيبهم.
﴿ وإنه لتنزيل رب العلمين نزل به الروح الأمين ﴾.
﴿ على قلبك ﴾ تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله عز وجل، والقلب إن أراد به الروح فذاك وإن أراد به العضو فتخصيصه، لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولا على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة، و ﴿ الروح الأمين ﴾ جبريل عليه الصلاة والسلام فإنه أمين الله على وحيه. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي ونصب ﴿ الروح الامين ﴾. ﴿ لتكون من المنذرين ﴾ عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك.