﴿ فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغلبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن أغلبوا فإذا على ما يقتضيه من الجواب والجزاء، وقرىء ﴿ نعم ﴾ بالكسر وهما لغتان.
26.43-60
﴿ قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ﴾ أي بعدما قالوا له ﴿ إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ ، ولم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلا به إلى إظهار الحق.
﴿ فألقوا حبلهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون ﴾ أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
﴿ فألقى موسى عصه فإذا هي تلقف ﴾ تبتلع، وقرأ حفص »تلقف« بالتخفيف. ﴿ ما يأفكون ﴾ ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، أو إفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة.
﴿ فألقي السحرة سجدين ﴾ لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئا لا حقيقة له، وأن التبحر في كل فن نافع. وإنما بدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنفسهم كأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق.
﴿ قالوا ءامنا برب العلمين ﴾ بدل من «ألقي» بدل الاشتمال أو حال بإضمار قد.
﴿ رب موسى وهرون ﴾ إبدال للتوضيح ودفع التوهم والإشعار على أن الموجب لإيمانهم ما أجراه على أيديهما.
﴿ قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر ﴾ فعلمكم شيئا دون شيء ولذلك غلبكم، أو فواعدكم على ذلك وتواطأتم عليه، وأراد به التلبيس على قومه كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وروح «أأمنتم» بهمزتين. ﴿ فلسوف تعلمون ﴾ وبال ما فعلتم وقوله: ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين ﴾ بيان له.
﴿ قالوا لا ضير ﴾ لا ضرر علينا في ذلك. ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ بما توعدنا به فإن الصبر عليه محاء للذنوب موجب للثواب والقرب من الله تعالى، أو بسبب من أسباب الموت والقتل أنفعها وأرجاها.
﴿ إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطينا أن كنا ﴾ لأن كنا. ﴿ أول المؤمنين ﴾ من أتباع فرعون، أو من أهل المشهد والجملة في المعنى تعليل ثان لنفي الضمير، أو تعليل للعلة المتقدمة. وقرىء ﴿ إن كنا ﴾ على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة بالخاتمة، أو على طريقة المدل بأمره نحو إن أحسنت إليك فلا تنس حقي.
﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ﴾ وذلك بعد سنين أقامها بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتوا وفسادا، وقرأ ابن كثير ونافع»أن أسر بعبادي« بكسر النون ووصل الألف من سرى وقرىء «أن سر» من السير. ﴿ إنكم متبعون ﴾ يتبعكم فرعون وجنوده وهو علة الأمر بالإسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.
﴿ فأرسل فرعون ﴾ حين أخبر بسراهم. ﴿ في المدائن حشرين ﴾ العساكر ليتبعوهم.
﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ على إرادة القول وإنما استقلهم وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا بالإضافة إلى جنوده، إذ روي أنه خرج وكانت مقدمته سبعمائة ألف والشرذمة الطائفة القليلة، ومنها ثوب شراذم لما بلي وتقطع، و ﴿ قليلون ﴾ باعتبار أنهم أسباط كل سبط منهم قليل.
﴿ وإنهم لنا لغائظون ﴾ لفاعلون ما يغيظنا.
﴿ وإنا لجميع حذرون ﴾ وإنا لجميع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، أشار أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثا عليه، أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان والكوفيون ﴿ حذرون ﴾ والأول للثبات والثاني للتجدد، وقيل الحاذر المؤدي في السلاح وهو أيضا من الحذر لأن ذلك إنما يفعل حذرا، وقرىء «حادرون» بالدال المهملة أي أقوياء قال: