﴿ والذي هو يطعمني ويسقين ﴾ على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه وكذا اللذان بعده، وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم.
﴿ وإذا مرضت فهو يشفين ﴾ عطف على ﴿ يطعمني ويسقين ﴾ لأنه من روادفهما من حيث إن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب، وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى لأن المقصود تعديد النعم، ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه فإن الموت من حيث إنه لا يحسن به لا ضرر فيه وإنما الضرر في مقدماته وهي المرض، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية وخلاص من أنواع المحن والبليات، ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي والتنافر، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها والاعتدال المخصوص عليها قهرا وذلك بقدرة الله العزيز العليم.
﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾ في الآخرة.
﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ﴾ ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم واستغفارا لما عسى يندر منه من الصغائر، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث: ﴿ إني سقيم ﴾ ، ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ ، وقوله «هي أختي»، ضعيف لأنها معاريض وليست خطايا.
﴿ رب هب لي حكما ﴾ كما في العلم والعمل أستعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق. ﴿ وألحقني بالصلحين ﴾ ووفقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره.
﴿ واجعل لي لسان صدق في الاخرين ﴾ جاها وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك ما من أمة إلا وهم محبون له مثنون عليه، أو صادقا من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ واجعلني من ورثة جنة النعيم ﴾ في الآخرة وقد مر معنى الوراثة فيها.
﴿ واغفر لأبي ﴾ بالهداية والتوفيق للإيمان.
﴿ إنه كان من الضالين ﴾ طريق الحق وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإيمان تقية من نمرود ولذلك وعده به، أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار.
﴿ ولا تخزنى ﴾ بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث، أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلا، أو بتعذيب والدي، أو يبعثه في عداد الضالين وهو من الخزي بمعنى الهوان، أو من الخزاية بمعنى الحياء. ﴿ يوم يبعثون ﴾ الضمير للعباد لأنهم معلومون أو ل ﴿ الضالين ﴾.
﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ أي لا ينفعان أحدا إلا مخلصا سليم القلب عن الكفر وميل المعاصي وسائر آفاته، أو لا ينفعان إلا مال من هذا شأنه وبنوه حيث أنفق ماله في سبيل البر، وأرشد بنيه إلى الحق وحثهم على الخير وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين شفعاء له يوم القيامة. وقيل الاستثناء مما دل عليه المال والبنون أي لا ينفع غنى إلا غناه. وقيل منقطع والمعنى لكن سلامة ﴿ من أتى الله بقلب سليم ﴾ تنفعه.
﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها.
﴿ وبرزت الجحيم للغاوين ﴾ فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد.
﴿ وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله ﴾ أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم. ﴿ هل ينصرونكم ﴾ بدفع العذاب عنكم. ﴿ أو ينتصرون ﴾ بدفعه عن أنفسهم لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما قال: ﴿ فكبكبوا فيها هم والغاوون ﴾ أي الآلهة وعبدتهم، والكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها.