﴿ حتى إذا ما جاؤوها ﴾ إذا حضروها و ﴿ ما ﴾ مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور. ﴿ شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما كانوا يعملون ﴾ بأن ينطقها الله تعالى، أو يظهر عليها آثارا تدل على ما اقترف بها فتنطق بلسان الحال.
﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ﴾ سؤال توبيخ أو تعجب، ولعل المراد به نفس التعجب. ﴿ قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء ﴾ أي ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي أنطق كل حي، ولو أول الجواب والنطق بدلالة الحال بقي الشيء عاما في الموجودات الممكنة. ﴿ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ﴾ يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود وأن يكون استئنافا.
﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ﴾ أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم بها فما استترتم عنها. وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمر عليه حال إلا وهو عليه رقيب. ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ﴾ فلذلك اجترأتم على ما فعلتم.
41.23-35
﴿ وذلكم ﴾ إشارة إلى ظنهم هذا، وهو مبتدأ وقوله: ﴿ ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم ﴾ خبران له ويجوز أن يكون ﴿ ظنكم ﴾ بدلا و ﴿ أرداكم ﴾ خبرا. ﴿ فأصبحتم من الخسرين ﴾ إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببا لشقاء المنزلين.
﴿ فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ﴾ لا خلاص لهم عنها. ﴿ وإن يستعتبوا ﴾ يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون. ﴿ فما هم من المعتبين ﴾ المجابين إليها ونظيره قوله تعالى حكاية ﴿ أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾ وقرىء ﴿ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴾ ، أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون لفوات المكنة.
﴿ وقيضنا ﴾ وقدرنا. ﴿ لهم ﴾ للكفرة. ﴿ قرناء ﴾ أخدانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القبض على البيض وهو القشر. وقيل أصل القيض البدل ومنه المقايضة لمعاوضة. ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات. ﴿ وما خلفهم ﴾ من أمر الآخرة وإنكاره. ﴿ وحق عليهم القول ﴾ أي كلمة العذاب. ﴿ فى أمم ﴾ في جملة أمم كقول الشاعر:
إن تك عن أحسن الصنيعة مأ
فوكا ففي آخرين قد أفكوا
وهو حال من الضمير المجرور. ﴿ وقد خلت من قبلهم من الجن والإنس ﴾ وقد عملوا مثل أعمالهم. ﴿ إنهم كانوا خسرين ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير ﴿ لهم ﴾ ولل ﴿ أمم ﴾.
﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه ﴾ وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارىء، وقرىء بضم الغين والمعنى واحد يقال لغى يلغي ولغا يلغو إذا هذى. ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ أي تغلبونه على قراءته.
﴿ فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ﴾ المراد بهم هؤلاء القائلون، أو عامة الكفار. ﴿ ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون ﴾ سيئات أعمالهم وقد سبق مثله.
﴿ ذلك ﴾: إشارة إلى الأسوأ. ﴿ جزاء أعداء الله ﴾ خبره. ﴿ النار ﴾ عطف بيان لل ﴿ جزاء ﴾ أو خبر محذوف. ﴿ لهم فيها ﴾ في النار. ﴿ دار الخلد ﴾ فإنها دار إقامتهم، وهو كقولك: في هذه الدار دار سرور، وتعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة. ﴿ جزاء بما كانوا بئايتنا يجحدون ﴾ ينكرون الحق أو يلغون، وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو.
﴿ وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلنا من الجن والإنس ﴾ يعني شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان. وقيل هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والسوسي ﴿ أرنا ﴾ بالتخفيف كفخذ في فخذ، وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء. ﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ ندوسهما انتقاما منهما، وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل. ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ مكانا أو ذلا.