﴿ ويقوم ما لى أدعوكم إلى النجوة وتدعوننى إلى النار ﴾ كرر ندائهم إيقاظا لهم عن سنة الغفلة واهتماما بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول، فإن ما بعده أيضا تفسير لما أجمل فيه تصريحا أو تعريضا أو على الأول.
﴿ تدعوننى لأكفر بالله ﴾ بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام.
﴿ وأشرك به ما ليس لى به ﴾ بربوبيته. ﴿ علم ﴾ والمراد نفي المعلوم والإشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان فاعتقادها لا يصح إلا عن إيقان. ﴿ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ﴾ المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإرادة، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران.
﴿ لا جرم ﴾ لا رد لما دعوه إليه، و ﴿ جرم ﴾ فعل بمعنى حق وفاعله: ﴿ أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الأخرة ﴾ أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها. وقيل ﴿ جرم ﴾ بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقا، ويؤيده قولهم لا جرم إنه لغة فيه كالرشد والرشد. ﴿ وأن مردنا إلى الله ﴾ بالموت. ﴿ وأن المسرفين ﴾ في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء. ﴿ هم أصحب النار ﴾ ملازموها.
﴿ فستذكرون ﴾ وقرىء ﴿ فستذكرون ﴾ أي فسيذكر بعضكم بعضا عند معاينة العذاب. ﴿ ما أقول لكم ﴾ من النصيحة. ﴿ وأفوض أمرى إلى الله ﴾ ليعصمني من كل سوء. ﴿ إن الله بصير بالعباد ﴾ فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله:
﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ شدائد مكرهم. وقيل الضمير لموسى عليه الصلاة والسلام. ﴿ وحاق بئال فرعون ﴾ بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك. وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفا فرجعوا رعبا فقتلهم. ﴿ سوء العذاب ﴾ الغرق أو القتل أو النار.
﴿ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ﴾ جملة مستأنفة أو ﴿ النار ﴾ خبر محذوف و ﴿ يعرضون ﴾ استئناف للبيان، أو بدل و ﴿ يعرضون ﴾ حال منها، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره ﴿ يعرضون ﴾ مثل يصلون، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم: عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأييد، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر. ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم: ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ يا آل فرعون. ﴿ أشد العذاب ﴾ عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم. وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص ﴿ أدخلوا ﴾ على أمر الملائكة بإدخالهم النار.