﴿ أجعل الآلهة إلها وحدا ﴾ بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد. ﴿ إن هذا لشىء عجاب ﴾ بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا، وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقرىء مشددا وهو أبلغ ككرام وكرام. وروي أنه لما أسلم عمر رضي الله عنه شق ذلك على قريش، فأتوا أبا طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل عليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ماذا يسألونني، فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال:
" أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم "
، فقالوا: نعم وعشرا، فقال:
" قولوا لا إله إلا الله "
، فقاموا وقالوا ذلك.
38.6-11
﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿ أن امشوا ﴾ قائلين بعضهم لبعض ﴿ امشوا ﴾. ﴿ اصبروا ﴾ واثبتوا. ﴿ على ءالهتكم ﴾ على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته، و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة لأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول. وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول، و ﴿ امشوا ﴾ من مشت المرأة إذا كثرت أولادها ومنه الماشية أي اجتمعوا، وقرىء بغير ﴿ أن ﴾ وقرىء «يمشون أن اصبروا». ﴿ إن هذا لشىء يراد ﴾ إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له، أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة، والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد، أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم.
﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ بالذي يقوله. ﴿ فى الملة الأخرة ﴾ في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى عليه الصلاة والسلام التي هي آخر الملل فإن النصارى يثلثون. ويجوز أن يكون حالا من هذا أي ما سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهان بالتوحيد كائنا في الملة المترقبة. ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه.
﴿ ءأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ إنكار لاختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة كقولهم
لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31] وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي. ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ من القرآن أو الوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل، وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم ﴿ هذا سحر كذاب ﴾ ﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾. ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه.
﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ﴾ بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم، والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء، ثم رشح ذلك فقال:
﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها.
﴿ فليرتقوا فى الأسباب ﴾ جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون. وهو غاية التهكم بهم، والسبب في الأصل هو الوصلة، وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية.