تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.81

﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ إلى آخره، إن بين النبيين تعارفا أزليا بسبب كونهم أهل الصف الأول، عرفاء الله، وكل عارف يعرف مقام سائر العرفاء ومتعهدهم من الله بعهد التوحيد عام لبني آدم، كما ذكر، وعهد النبيين خاص بهم وبمن يعرفهم بحق المتابعة، فقد أخذ الله من النبيين عهدين أحدهما ما ذكر في قوله:

وإذ أخذ ربك من بني آدم

[الأعراف، الآية: 172] إلى آخره. وثانيهما ما ذكر في قوله تعالى:

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا

[الأحزاب: 7] وهو عهد التعارف بينهم، وإقامة الدين، وعدم التفرق به بتصديق بعضهم بعضا ودعوة الحق إلى التوحيد، وتخصيص العبادة بالله تعالى، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف بعضهم بعضا إلى أممهم وخصوصه بسبب أن معرفة الله تعالى في صورة التفاصيل، وحجب الصفات، وتكثر المظاهر أدق وأخفى من معرفته في عين الجمع وهم من رزق حق المتابعة عارفون بذلك وبأحكام تجليات الصفات التي هي الشرائع خاصة دون من عداهم.

3.82-84

﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ أي: بعدما علم عهد الله مع النبيين وتبليغ الأنبياء إليه ما عهد الله إليهم ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله ولا دين غيره معتد به في الحقيقة إلا توهما ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ وكل من في السموات والأرض يدين بدينه ﴿ طوعا ﴾ كما عدا الإنسان والشيطان ﴿ وكرها ﴾ كالإنسان والشيطان إذ الكفر لا يسع موجودا سواهما، فكلهم ممتثلون لما أمرهم الله، طائعون. والإنسان لاحتجابه بإرادته ونسيانه عهد الله وقبوله لدعوة الشيطان لمناسبته إياه بالظلمة النفسانية لا يؤمن ولا ينقاد إلا كرها، اللهم إلا من عصمه الله واجتباه، والشيطان لاحتجابه بعجبه وأنيته في قوله:

أنا خير منه

[الأعراف، الآية: 12] وإبائه، واستكباره كفر، وهو مع ذلك يعلم عصيانه ويؤمن كرها، ويتحقق أن كفره بإرادته تعالى وذلك عين الإيمان، كما قال تعالى:

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين

[الحشر، الآية: 16]، وقال تعالى:

وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب

[الأنفال، الآية: 48]، وفي موضع آخر:

وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل

[إبراهيم، الآية: 22]، فهذه الآيات دالة على إيمانه ولكن حين لا ينفعه ﴿ وإليه ترجعون ﴾ في العاقبة، فلا يبقى دين غير دين الله بل الكل عند الرجوع يدين بدينه.

كل يدين بدين الحق لو فطنوا

وليس دين لغير الحق مشروع

تفسير القرآن · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٩٢