3.135-136
﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ كبيرة من الكبائر، برؤية أفعالهم صادرة عن قدرتهم ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ نقصوا حقوقها بارتكاب الصغائر وظهور أنفسهم فيها ﴿ ذكروا الله ﴾ في صدور أفعالهم برؤيتها واقعة بقدرة الله وتبرأ عنها إليه لرؤيتهم ابتلاءه إياهم بها ﴿ فاستغفروا ﴾ طلبوا ستر أفعالهم التي هي ذنوبهم بأفعاله بالتبري عن الحول والقوة إليه ﴿ ومن يغفر الذنوب ﴾ أي وجودات الأفعال ﴿ إلا الله ﴾ أي علموا أن لا غافر إلا هو ﴿ ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ في غفلتهم وحالة ظهور أنفسهم، بل تابوا ورجعوا إليه في أفعالهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن لا فعل إلا الله ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ بمقتضى توحيد الأفعال.
3.137-142
﴿ قد خلت من قبلكم ﴾ بطشات ووقائع مما سنه الله في أفعاله بالذين كذبوا بالأنبياء في توحيد الأفعال ﴿ فسيروا في الأرض فانظروا ﴾ في آثارها فتعلموا كيف كان عاقبتهم ﴿ هذا ﴾ الذي ذكر ﴿ بيان للناس ﴾ من علم توحيد الأفعال وتفصيل المتقين الذين هم أهل التمكين في ذلك، والتائبين الذين هم أهل التلوين، والمصرين المحجوبين عنه المكذبين به، وزيادة هدى وكشف عيان وتثبت واتعاظ للذين اتقوا رؤية أفعالهم أو هدى لهم إلى توحيد الصفات والذات. ﴿ ولا تهنوا ﴾ في الجهاد عند استيلاء الكفار ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من الفتح وما جرح واستشهد من إخوانكم ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ في الرتبة لقربكم من الله وعلو درجتكم بكونكم أهل الله ﴿ إن كنتم ﴾ موحدين، لأن الموحد يرى ما يجري عليه من البلاء من الله فأقل درجاته الصبر إن لم يكن رضا يتقوى به فلا يحظن ولا يهن ﴿ الأيام ﴾ الوقائع وكل ما يحدث من الأمور العظيمة يسمى يوما وأياما، كما قال تعالى:
وذكرهم بأيام الله
[إبراهيم، الآية: 5] وقد مر تفسير ﴿ وليعلم الله ﴾ من ظهور العلم التفصيلي التابع لوقوع المعلوم.
﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ الذين يشهدون للحق فيذهلون عن أنفسهم، أي: نداول الوقائع بين الناس لأمور شتى وحكم كثيرة، غير مذكورة، من خروج ما في استعدادهم إلى الفعل من الصبر والجلد وقوة اليقين، وقلة المبالاة بالنفس، واستيلاء القلب عليها، وقمعها وغير ذلك. ولهذين العلتين المذكورتين ولتخليص المؤمنين من الذنوب والغواشي التي تبعدهم من الله بالعقوبة والبلية إذا كانت عليهم، ومحق الكافرين وقهرهم وتدميرهم إذا كانت لهم. وقد اعترض بين العلل قوله: ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ ليعلم أن من ليس على صفة الإيمان والشهادة وتمحيص الذنوب وقوة الثبات لكمال اليقين، بل حضر القتال لطلب الغنيمة أو لغرض آخر فهو ظالم والله لا يحبه.