3.181-187
﴿ لقد سمع الله ﴾ إلى قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ روي أن أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقربان فيدعوا الله فتأتي نار من السماء تأكله. وتأويله: أن يأتوا بنفوسهم يتقربون بها إلى الله ويدعون الله بالزهد والعبادة، فتأتي نار العشق من سماء الروح تأكله وتفنيه في الوحدة، فبعد ذلك صحت نبوتهم وظهرت فسمع به عوام بني إسرائيل فاعتقدوا ظاهره، وإن كان ممكنا من عالم القدرة فاقترحوا على كل نبي تلك الآية كما توهموا من إقراض الله الذي هو بذل المال في سبيل الله بالإنفاق لاستيفاء الثواب وبذل الأفعال والصفات بالمحو في السلوك لاستبدال صفات الحق وأفعاله وتحصيل مقام الإبدال، فقر الحق وغناهم، أو كابروا الأنبياء في الموضعين بعدما فهموا.
3.188-191
﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ﴾ أي: يعجبوا بما فعلوا من طاعة وإيثار، وكل حسنة من الحسنات، ويحجبون برؤيته ﴿ ويحبون أن يحمدوا ﴾ أي: يحمدهم الناس، فهم محجوبون بعرض الحمد والثناء من الناس، أو أن يكونوا محمودين في نفس الأمر عند الله ﴿ بما لم يفعلوا ﴾ بل فعله الله على أيديهم إذ لا فعل إلا لله،
والله خلقكم وما تعملون
[الصافات، الآية: 96] فائزين من عذاب الحرمان ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ لمكان استعدادهم واحتجابهم عما فيه، وكان من حقهم أن ينسبوا الفضيلة والفعل الجميل إلى الله ويتبرأوا عن حولهم وقوتهم إليه ولا يحتجبوا برؤية الفعل من أنفسهم، ولا يتوقعوا به المدح والثناء.
﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ليس لأحد فيها شيء حتى يعطي غيره فيعجب بعطائه ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ لا يقدر غيره على فعل ما، حتى يعجب برؤيته، فيفرح به فرح إعجاب.
﴿ الذين يذكرون الله ﴾ في جميع الأحوال وعلى جميع الهيئات ﴿ قياما ﴾ في مقام الروح بالمشاهدة ﴿ وقعودا ﴾ في محل القلب بالمكاشفة ﴿ وعلى جنوبهم ﴾ أي: تقلباتهم في مكان النفس بالمجاهدة ﴿ ويتفكرون ﴾ بألبابهم أي: عقولهم الخالصة عن شوب الوهم ﴿ في خلق ﴾ عالم الأرواح والأجساد. يقولون عند الشهود ﴿ ربنا ما خلقت هذا ﴾ الخلق ﴿ باطلا ﴾ أي: شيئا غيرك، فإن غير الحق هو الباطل، بل جعلته أسماءك ومظاهر صفاتك ﴿ سبحانك ﴾ ننزهك أن يوجد غيرك، أي: يقارن شيء فردانيتك أو يثني وحدانيتك ﴿ فقنا عذاب ﴾ نار الاحتجاب بالأكوان عن أفعالك، وبالأفعال عن صفاتك، وبالصفات عن ذاتك وقاية مطلقة تامة كافية.