تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.119

﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ﴾ بمقتضى التوحيد، إذ الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق، ويراهم متصلين بنفسه اتصال الأحماء والأقرباء بل اتصال الأجزاء، فينظر إليهم بنظر الرحمة الإلهية والرأفة الربانية، ويعطف عليهم مترحما إذ يراهم أهل الرحمة شغلوا بالباطل، وابتلوا بالقدر ولا يحبونكم بمقتضى الحجاب والبقاء في ظلمة النفس وتضاد الطبع.

﴿ وتؤمنون بالكتاب ﴾ أي بجنس الكتاب ﴿ كله ﴾ لشمول علمكم التوحيدي، ولا يؤمنون للتقيد بدينهم والاحتجاب بما هم عليه ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ لنفاقهم المستجلب لأغراضهم العاجلة ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ لحقدهم الذاتي وبغضهم الكامن والباقي ظاهر.

3.120-125

﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما يبتليكم الله به من الشدائد والمحن والمصائب، وتثبتوا على مقتضى التوحيد والطاعة ﴿ وتتقوا ﴾ الاستعانة بهم في أموركم والالتجاء إلى ولايتهم ﴿ لا يضركم كيدهم شيئا ﴾ لأن المتوكل على الله، الصابر على بلائه، المستعين به لا بغيره، ظافر في طلبته، غالب على خصمه، محفوظ بحسن كلاءة ربه، والمستعين بغيره مخذول موكول إلى نفسه، محروم عن نصرة ربه. كما قال الشاعر:

من استعان بغير الله في طلب

فإن ناصره عجز وخذلان

﴿ إن الله بما يعملون ﴾ من المكايد ﴿ محيط ﴾ فيبطلها ويهلكها، وقد قيل: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك. فالصبر والتقوى من أجمل الفضائل إن لزمتموهما تظفروا على عدوكم.

﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ الآية... الصبر على مضض الجهاد وبذل النفس في طاعة الله، وتحمل المكروه طلبا لرضا الله لا يكون إلا عند التقوى بتأييد الحق وتنوره بنور اليقين، وثباته بنزول السكينة والطمأنينة عليه، والتقوى في مخالفة أمر الحق والميل إلى النفع والغنيمة، وخوف تلف النفس لا تكون إلا عند انكسار النفس تحت قهر سلطان القلب والروح، إذ الثبات والوقار صفة الروح والطيش، والاضطراب صفة النفس، فإذا استولى سلطان الروح على القلب وأخذ مملكته عصمه من استيلاء صفات النفس وجنودها عليه، فيعشقه القلب ويسكن إليه لنورانيته المحبوبة لذاتها ويتقوى به على النفس وقواها فيهزمها ويكسرها ويدفع غلبتها وظلمتها عن نفسه، ويجعلها ذلولا مطيعة مطمئنة إليه فيزول عنها الاضطراب وتتنور بنوره وعند ذلك تنزل الرحمة، ويناسب القلب ملكوت السماء في نورانيتها وقهرها لما تحتها، ومحبتها وشوقها لما فوقها. وبذلك التناسب يصل بها ويستنزل قواها وأوصافها في أفعاله خصوصا عند اهتياجه وانقلاعه عن الجهة السفلية، وانقطاعه بقوة اليقين والتوكل إلى الجهة العلوية. ويستمد من قوى قهرها على من يغضب عليه فذلك نزول الملائكة، وإذا جزع وهلع وتغير وخاف أو مال إلى الدنيا غلبته النفس وقهرته واستولت عليه وحجبته بظلمة صفاتها عن النور، فلم تبق تلك المناسبة، فانقطع المدد ولم تنزل الملائكة.

تفسير القرآن · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ١٠١