3.26
﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ تملك ملك عالم الأجسام مطلقا، تتصرف فيه لا مالك ولا متصرف ولا مؤثر فيه غيرك ﴿ تؤتي الملك من تشاء ﴾ تجعله متصرفا في بعضه ﴿ وتنزع الملك ممن تشاء ﴾ بجعل التصرف في يد غيره ولا غير ثمة بل تقلبه من يد إلى يد، فأنت المتصرف فيه على كل حال بحسب اختلاف المظاهر ﴿ وتعز من تشاء ﴾ بإلقاء نور من أنوار عزتك عليه فإن العزة لله جميعا ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بسلب لباس عزتك عنه فيبقى ذليلا ﴿ بيدك الخير ﴾ كله، وأنت القادر مطلقا، تعطي على حسب مشيئتك، تتجلى تارة على بعض المظاهر بصفة العز والكبرياء، فتكسوه لباس العز والبهاء، وتارة بصفة القهر والإذلال فتكسوه لباس الهوان والصغار، وتارة بصفة المعز فتكون مذلا، وتارة بصفة المذل فتكون معزا، وتارة بصفة الغني فتعطي المال، وتارة بصفة المغني فتفقره، أي: تجعله مستغنيا عن المال، فقيرا لا يحتاج إلى شيء.
3.27-29
﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ تدخل ظلمة النفس في نور القلب فيظلم، وتدخل نور القلب في ظلمة النفس فتستنير بخلطهما معا مع بعد المناسبة بينهما ﴿ وتخرج الحي ﴾ أي: حي القلب ﴿ من الميت ﴾ أي: من ميت النفس، وميت النفس من حي القلب، بل تخرج حي العلم والمعرفة من ميت الجهل، وتخرج ميت الجهل من حي العلم تحجبه عن النور، كحال بلعم بن باعورا ﴿ وترزق من تشاء ﴾ من النعمة الظاهرة والباطنة جميعا، أو من إحداهما ﴿ بغير حساب ﴾ ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ إذ لا مناسبة بينهم في الحقيقة، والولاية لا تكون إلا بالجنسية والمناسبة، فحينئذ لا يمكن أن تكون المحبة بينهم ذاتية، بل مجعولة مصنوعة بالتصنع والرياء والنفاق وهي خصال مبعدة عن الحق إذ كلها حجب ظلمانية ولو لم يكن فيهم ظلمة تناسب حال الكفرة ما قدروا على مخالطتهم ومصاحبتهم ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ أي: من ولاية الله في شيء، معتد به، إذ ليس فيهم نورية صافية يناسبون بها الحضرة الإلهية ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ أي: إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب أن يتقى، فتوالوهم ظاهرا ليس في قلوبكم شيء من محبتهم، وذلك أيضا لا يكون إلا لضعف اليقين. إذ لو باشر قلوبهم اليقين لما خافوا إلا الله تعالى وشاهدوا معنى قوله تعالى:
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله
[يونس، الآية: 107] فما خافوا غيره ولم يرجوا غيره، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي: يدعوكم إلى التوحيد العياني كي لا يكون حذركم من غيره بل من نفسه ﴿ وإلى الله المصير ﴾ فلا تحذروا إلا إياه فإنه المطلع على أسراركم وعلانياتكم، القادر على مجازاتكم إن توالوا أعداءه أو تخافوهم سرا أو جهرا.