تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النحل: 1]. ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأت بعد، والقيامة لم تأت بعد لكن عبر عنها بالماضي أتى لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يخرجه شيء عن مراده، فكأنها أتت بالفعل، إذن:

فلا تستعجلوه..

[النحل: 1] ليست منطقية مع كلامك أنت، إنما هي منطقية مع كلام الله. كذلك في قوله تعالى: ﴿ قد يعلم مآ أنتم عليه.. ﴾ [النور: 64] فقد: للتحقيق، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني علم، لكنه بالنسبة لك أنت يعلم: إذن: فهناك طرف منك وطرف من الحق سبحانه، فبالنسبة للتحقيق جاء بقد، وبالنسبة للاستقبال جاء بيعلم. ثم يقول سبحانه: ﴿ ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ﴾ [النور: 64] وجاء في آية أخرى:

وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين

[يونس: 61]. فإياك أن تفهم أن نظر الله ورؤيته سبحانه للأبعاض المختلفة في الأماكن المختلفة رؤية جزئية، تتجه إلى شيء فلا ترى الآخر، إنما هي رؤية شاملة، كأن لكل شيء رؤية وحده، وهذا واضح في قوله تعالى:

أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت..

[الرعد: 33]. فسبحانه لا يشغله سمع عن سمع، ولا بصر عن بصر، فبصره سبحانه محيط، واطلاعه دقيق لذلك يأتي جزاؤه حقا يناسب دقة اطلاعه، فإياك إذن أن تغفل هذه الحقيقة، فربك قائم عليك، ناظر إليك، لا تخفى عليه منك خافية. فيا من تتسلل لواذا احذر، فلا شيء أهم من مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله نفسه كان حريصا أن يرى أصحابه في مجلسه باستمرار، والله تعالى يوصيه بذلك فيقول له:

ولا تعد عيناك عنهم..

[الكهف: 28]. وكان بعض أصحابه يصلي خلفه، فكان عندما يسلم ينصرف الرجل مسرعا فيراه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة، ولا يراه في آخرها، فاستوقفه في إحدى الصلوات وقال له: " أزهدا فينا "؟ وكأنه يعز على رسول الله أن يجد أحد أصحابه لا يتواجد مع حضرته، أو يزهد في مجلسه، فيحرم من الخيرات والتجليات التي تتنزل على مجلس رسول الله، ويحرم من إشعاعات بصيرته وبصره إليه.

لذلك أحرج الرجل، وأخذ يوضح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدفعه كل صلاة إلى الإسراع بالانصراف، وأن هذا منه ليس زهدا في حضرة رسول الله ومجلس رسول الله، فقال: يا رسول الله إن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا لتصلي فيه. يعني: ليس لديه في بيته إلا ثوب واحد، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير، فلما عاد لزوجته سألته عن سبب غيابه، فقص عليها ما كان من أمر رسول الله، وأنه استوقفه وحكى لها ما دار بينهما، فقالت لزوجها: أتشكو ربك لمحمد؟ ولما سألوها بعد ذلك قالت: " غاب عني مقدار مائة تسبيحة " فانظر إلى ساعتها التي تضبط عليها وقتها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٩٥