ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وينتصر عليهم، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هجر، ويدفعون الجزية. بعد ذلك يرسل صلى الله عليه وسلم كتبه إلى الملوك والرؤساء يدعوهم إلى الإسلام، فيرسل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس، وإلى هرقل، وإلى كسرى، وتأتيه الهدايا من كل هؤلاء. ويستمر المد الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله، فإن كان المد الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله، فإنه تعداها إلى شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين، حتى ساد الإسلام العالم كله، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأن يستخلفهم في الأرض. وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق النبوءات التي أخبر بها، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش، وبعد أن تاب سراقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديه ويصفونهما بما يدعو إلى الضحك
" فكان صلى الله عليه وسلم يقول عن ساعدي سراقة: كيف بهما في سواري كسرى؟ "
ويفتح المسلمون بعد ذلك ملك كسرى، ويكون سوارا كسرى من نصيب سراقة، فيلبسهما، ويراهما الناس في يديه. هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد الله يراها المؤمنون في أنفسهم، لا فيمن يأتي بعد ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم.. ﴾ [النور: 55] يعني المسألة لن تطول. كذلك
" أم حرام بنت ملحان التي خرجت في غزوة ذات الصواري وركبت البحر ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام هناك ثم يصحو وهو يضحك، فقالت له: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " أناس من أمتي يركبون زبد هذا البحر، ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة " فقال: ادع الله أن أكون منهم، فدعا لها فاستجاب الله دعاءه، وخرجت في الغزوة، ولما ركبوا البحر الأبيض أرادت أن تخرج فماتت ".
إذن: فالبشارة في هذه الآية ليست بشارة لفظية، إنما هي بشارة واقعية لها واقع يؤيدها، قد حدث فعلا. لكن، ما المراد بالأرض في ﴿ ليستخلفنهم في الأرض.. ﴾ [النور: 55]؟ إذا جاءت الأرض هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض، كما في قوله تعالى:
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..
[الإسراء: 104] يعني: تقطعوا في كل أنحائها،
فإذا جآء وعد الآخرة..
[الإسراء: 104] الذي وعد الله به
جئنا بكم لفيفا
[الإسراء: 104] يعني: جمعناكم من الأراضي كلها، وهذا هو الأمل القوي الذي نعيش عليه، وننتظر من الله أن يتحقق. ثم يقول تعالى: { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
. } [النور: 55] ففوق الاستخلاف في الأرض يمكن الله لهم الدين، ومعنى تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا في ضوئه وعلى هديه، لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة. وقوله سبحانه: ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا.. ﴾ [النور: 55] وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أمنا، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أن يحافظوا على الخلافة هذه، وأن يقوموا بحقها ﴿ يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ [النور: 55]. ومعنى ﴿ كفر بعد ذلك.. ﴾ [النور: 55] يعني: بعد أن استخلفه الله، ومكن له الدين وأمنه وأزال عنه أسباب الخوف. وفرق بين تمكين الإسلام وتمكين من ينسب إلى الإسلام، فالبعض يدعي الإسلام، ويركب موجته حتى يحكم ويستتب له الأمر وتنتهي المسألة، لا.. لأن التمكين ليس لك أيها الحاكم، إنما التمكين لدين الله.