قالت الأعراب آمنا..
[الحجرات: 14] فرد الله عليهم:
قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..
[الحجرات: 14] يعني: خضعنا للأوامر، لكن عن غير إيمان، إذن: فقيمة الإيمان أن تنفذ مطلوبه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
[العصر: 1-3]. فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ ﴿ ليستخلفنهم في الأرض.. ﴾ [النور: 55] وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل ﴿ كما استخلف الذين من قبلهم.. ﴾ [النور: 55]، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا برد العدوان. حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة في جمع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين، وفعلوا معهم نموذجا من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وهل هناك إيثار أعظم من أن يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول: اختر إحداهما أطلقها لك، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار. ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقدوا نارا: كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعا ضد هذا الدين ليضربوه عن قوس واحدة، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم.
حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافة إن ينقض عليهم أعداؤهم، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه: أترون أنا نعيش حتى نأمن ونطمئن و لانبيت في السلاح ونصبح فيه، ولا نخشى إلا الله؟ يعني: أهناك أمل في هذه الغاية؟ وآخر يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون.؟ ألا يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بلسان الواثق من وعد ربه، وليس كلاما قد يكذب فيما بعد:
" لا تصبرون إلا يسيرا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيه حديدة "
يعني: في الملأ الواسع، والاحتباء جلسة المستريح الهانىء، والحديدة كناية عن السلاح. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ".
ومعنى " إن الله زوى لي الأرض " معلوم أن للإنسان مجال رؤية يلتقي فيه إلى نهاية الأفق، أما الأرض ذاتها فواسعة، فزويت الأرض لرسول الله يعني: جمعت في زاوية، فصار ينظر إليها كلها. إذن: فهم في هذه المرحلة يشتهون الأمن وهدوء البال، وقد قال تعالى عنهم في هذه الفترة:
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..
[البقرة: 214]. وفي غمرة هذه الشدة وقمة هذا الضيق ينزل تعالى على رسوله:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] حتى إن الصحابة ليتعجبون، يقول عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا؟ وقد نزلت الآية وهم في مكة في أشد الخوف لا يستطيعون حماية أنفسهم. لكن بعد بدر وبعد أن رأى ما نزل بالكفار قال: صدق الله
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. ثم ينزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض الآيات التي تطمئن المؤمنين وتصبرهم:
أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه..
[الرعد: 41]. فاطمئنوا، فكل يوم ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، فالمقدمات في صالحكم، ثم يأتي فتح مكة ويدخلها النبي صلى الله عليه وسلم في موكب مهيب مطأطئا رأسه، تواضعا لمن أدخله، مظهرا ذلة العبودية لله. حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموكب يقول للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فيقول العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان، يعني: المسألة ليست ملكا إنما هو بشائر النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة.