أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن..
[الملك: 19]. وكأن الخالق - عز وجل يقول: خذوا من الطير المشاهد نموذجا ووسيلة إيضاح، فإذا قلت لكم:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه..
[الحج: 65] فصدقوا وآمنوا أن الله يمسك السماء، بل:
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده..
[فاطر: 41]. فخذ من المشهد الذي تدركه دليلا على ما لا تدركه. لكن، من الفاعل في ﴿ علم صلاته وتسبيحه.. ﴾ [النور: 41]. يمكن أن يكون الفاعل الطير وكل ما في الوجود، وأحسن منه أن نقول: علم الله صلاتها وتسبيحها لأنه سبحانه خالقها وهاديها إلى هذا التسبيح. إذن: فكل ما في الوجود يعلم صلاته ويعلم تسبيحه، كما تعلم أنت المنهج، لكنه استقام على منهجه لأنه مسخر وانحرفت أنت لأنك مخير. فإن أردت أن تستقيم أمور حياتك فطبق منهج الله كما جاءك لذلك لا تجد في الكون خللا أبدا إلا في منطقة الاختيار عند الإنسان، كل شيء لا دخل للإنسان فيه يسير منتظما، فالشمس لم تعترض في يوم من الأيام ولم تتخلف، كذلك القمر والنجوم والهواء، إنها منضبطة غاية الانضباط، حتى إن الناس يضبطون عليها حساباتهم ومواعيدهم واتجاهاتهم. لذلك يقول تعالى:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق، وما كان للشمس أن تضبط الوقت إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. ﴿ والله عليم بما يفعلون ﴾ [النور: 41] أي: لقيوميته تعالى على خلقه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولله ملك السماوات والأرض... ﴾.