يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..
[الجمعة: 1]. وما دام أن الكون كله سبح لله، وما يزال يسبح فلم يبق إلا أنت يا ابن آدم:
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1] يعني: استح أن يكون الكون كله مسبحا وأنت غير مسبح، فصل أنت تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات. وعجيب أن نسمع من يقول أن من في الآية للعاقل، فهو الذي يسبح أما السماوات والأرض فلا دخل لهما في هذه المسألة، ونقول: لا دخل لها في تصورك أنت، أما الحقيقة فإنها مثلك تسبح كما قال تعالى: ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه.. ﴾ [النور: 41]. وقال:
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته..
[الرعد: 13] فليس لك بعد كلام الله كلام. وآخر يقول لك: التسبيح هنا ليس على الحقيقة، إنما هو تسبيح دلالة وحال، لا مقال، يعني: هذه المخلوقات تدل بحالها على تسبيح الله وتنزيهه، وأنه واحد لا شريك له، على حد قول الشاعر:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
وهذا القول مردود بقوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. إذن: فهذه المخلوقات تسبح على الحقيقة ولها لسان ولغة، لكنك لا تفهم عنها ولا تفقه لغاتها، وهل فهمت أنت كل لغات بني جنسك حتى تفهم لغات المخلوقات الأخرى؟ إن العربي إذا لم يتعلم الإنجليزية مثلا لا يستطيع أن يفهم منها شيئا، وهي لغة منطوقة مكتوبة، ولها ألفاظ وكلمات وتراكيب مثل العربية. إذن: لا تقل تسبيح حال، هو تسبيح مقال، لكنك لا تفهمه، وكل شيء له مقال ويعرف مقاله، بدليل أن الله تعالى إن شاء أطلع بعض أهل الاصطفاء على هذه اللغات، ففهمها كما فهم سليمان عليه السلام عن النملة
فتبسم ضاحكا من قولها..
[النمل: 19] وسمع كلام الهدهد وفهم عنه ما يقول عن ملكة سبأ. ونقول لأصحاب هذا الرأي: تأملوا الخلية المسدسة التي يصنعها النحل وما فيها من هندسة تتحدى أساطين الهندسة والمقاييس أن يصنعوا مثلها، تأملوا عش الطائر وكيف ينسج عيدان القش، ويدخل بعضها في بعض، ويجعل للعش حافة تحمي الصغار، فإذا وضعت يدك في العش وهو من القش وجدت له ملمس الحرير، تأملوا خيوط العنكبوت وكيف يصطاد بها فرائسه؟ لقد شاهدت فيلما مصورا يسجل صراعا بين دب وثور، الدب رأى قرون الثور طويلة حادة، وعلم أنها وسيلة الثور التي ستقضي عليه، فما كان منه إلا أن هجم على الثور وأمسك قرنيه بيديه، وظل ينهش رأس الثور بأسنانه حتى أثخنه جراحا حتى سقط فراح يأكله.
إذن: كيف نستبعد أن يكون لهذه المخلوقات لغات تسبح الله بها لا يعرفها إلا بنو جنسها، أو من أفاض الله عليه بعلمها؟ ثم ألم يتعلم الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى لما قتل قابيل هابيل؟ كما يقول سبحانه:
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه..
[المائدة: 31] وكأن ربنا - عز وجل - يعلمنا الأدب وعدم الغرور. وقرأنا أن بعض الباحثين والدارسين لحياة النمل وجدوا أنه يكون مملكة متكاملة بلغت القمة في النظام والتعاون، فقد لاحظوا مجموعة تمر هنا وهناك، حتى وجدت قطعة من طعام فتركوها وانصرفوا، حيث أتوا، ثم جاءت بعدهم كوكبة من النمل التفت حول هذه القطعة وحملتها إلى العش، ثم قام الباحث بوضع قطعة أخرى ضعف الأولى، فإذا بمجموعة الاستكشاف أو الناضورجية تمر عليها وتذهب دون أن تحاول حملها، وبعدها جاء جماعة من النمل ضعف الجماعة الأولى، فكأن النمل يعرف الحجم والوزن والكتلة ويجيد تقديرها. وفي إحدى المرات لاحظ الباحث فتاتا أبيض أمام عش النمل، فلما فحصه وجده من جنين الحبة الذي يكون النبتة، وقد اهتدى النمل إلى فصل هذا الجنين حتى لا تنبت الحبة فتهدم عليهم العش، لهذا الحد علم النمل قانون صيانته، وعلم كيف يحمي نفسه، وهو من أصغر المخلوقات، أبعد هذا كله نستبعد أن يكون للنمل أو لغيره لغته الخاصة؟ ثم يقول سبحانه: ﴿ والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه.. ﴾ [النور: 41] فلماذا خص الطير بالذكر مع أنها داخلة في ﴿ من في السماوات والأرض.. ﴾ [النور: 41]. قالوا: خصها لأن لها خصوصية أخرى وعجيبة، يجب أن نلتفت إليها لأن الله تعالى يريد أن يجعل الطير مثلا ونموذجا لشيء أعظم، فالطير كائن له وزن وثقل، يخضع لقانون الجاذبية التي تجذب للأرض كل ثقل يعلق في الهواء. لكن الحق - سبحانه وتعالى - يخرق هذا القانون للطير حين يصف أجنحته في الهواء، يظل معلقا لا يسقط: