من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..
[البقرة: 245] ولم يقل سبحانه: يقرض فلانا، وإنما يقرض الله لأنه تعالى هو الخالق، ومن حق عبده الذي استدعاه للوجود أن يرزقه ويتكفل له بقوته. واحترام الملكية يجعل الإنسان مطمئنا على آثار حركة حياته وثمره جهده، وأنها ستعود عليه، وإلا فما الداعي للعمل ولبذل المجهود إن ضاعت ثمرته وحرم منها صاحبها؟ عندها ستتعطل مصالح كثيرة وسيعمل الفرد على قدر حاجته فحسب، فلا يفيض عنه شيء للصدقة. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ [النور: 33]. يقال للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل: عبدي وأمتي إنما يقول: فتاي وفتاتي، فهذه التسمية أكرم لهؤلاء وأرفع، فالفتى من الفتوة والقوة كأنك تقول: هذا قوتي الذي يساعدني ويعينني على مسائل الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يرفع من شأنهم. ومن هؤلاء جماعة المماليك الذين حكموا مصر في يوم من الأيام، وكانوا من أبناء الملوك والسلاطين والأعيان. والبغاء ظاهرة جاء الإسلام فوجدها منتشرة، فكان الرجل الذي يملك مجموعة من الإماء ينصب لهن راية تدل عليهن، ويأتيهن الشباب ويقبض هو الثمن، ومن هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وكان عنده مسيكة، ومعاذة وفيه نزلت هذه الآية. وتأويل الآية: لا تكرهوا الإماء على البغاء، وقد كن يبكين، ويرفضن هذا الفعل، وكن يؤذين ويتعرضن للغمز واللمز، ويتجرأ عليهن الناس، وكان من هؤلاء الإماء بنات ذوات أصول طيبة شريفة، لكن ساقتهن الأقدار إلى السبي في الحروب أو خلافه، في حين أن الحرة العفيفة تسير لا يتعرض لها أحد بسوء.
ومعنى: ﴿ إن أردن تحصنا.. ﴾ [النور: 33] يتكلم القرآن هنا عن الواقع بحيث إن لم يردن تحصنا فلا تكرهوهن ﴿ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا.. ﴾ [النور: 33] طلبا للقليل من المال الزائل ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ [النور: 33] لأنهن في حالة الإكراه على البغاء يفقدن شرط الاختيار، فلا يتحملن ذنب هذه الجريمة، عملا بالحديث النبوي الشريف:
" رفع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
لذلك يطمئن الحق - تبارك وتعالى - هؤلاء اللاتي يردن التحصن والعفاف، لكن يكرههن سيدهن على البغاء، ويرغمهن بأي وسيلة: اطمئنن فلا ذنب لكن في هذه الحالة، وسوف يغفر لكن والله غفور رحيم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم... ﴾.