تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن من أقسى تجارب الحياة على المرء أن يشك في نسبة ولده إليه، وأن تعتصره هذه الفكرة، فيهمل ولده وفلذة كبده، وينفق هنا وهناك ويحرمه على خلاف النسل الطاهر، حيث يتلهف الأب لولده، ويجوع ليشبع، ويتعرى ليلبس. فالحق سبحانه يريد النسل المحضون بالأبوين في أبوة صحيحة شرعية وأمومة صحيحة شرعية اجتمعا على نور الله. ولك أن تجري مقارنة بين امرأة حملت سفاحا وأخرى حملت حملا شرعيا طاهرا، ستجد الأولى تحمله على مضض وكره، وتود أن تتخلص منه وهو جنين في بطنها، فإن تحاملت على نفسها إلى حين ولادته تخلصت منه في ليلتها ولو بإلقائه على قارعة الطريق. أما صاحبة الحمل الشرعي فتتلهف على الولد، وإن تأخر بعض الوقت صارت قلقة تدور بين الأطباء، فإن أكرمها الله بالحمل طارت به فرحا وفخرا، وحافظت عليه في مشيها وحركاتها ونومها وقيامها إلى حين الوضع، فتتحمل آلامه راضية ثم تحتضنه وترضعه وتعيش حياتها في خدمته ورعايته. فالله يريد أن يأتي خليفته في أرضه من إخصاب طاهر على أعين الناس جميعا وفي نور الله المعنوي، يريد للزوج أن يأتي من الباب في ضوء هذا النور، لا أن يتلصص في الظلام من باب الخدم. لذلك يتوعد الحق - سبحانه وتعالى - من يخالف هذا المنهج ويريد أن يفسد شرف الخلافة التي يريدها الله طاهرة، ويدنس النسل، ويوغر الصدور بالأحقاد والعداوات، ويزرع الشك في نفوس الخلق، وجرائم العرض لا يقتصر ضررها على العداوات الشخصية إنما تتعدى هذه إلى الإضرار بالمجتمع كله. وانظر إلى الإيدز الذي يهدد المجتمعات الآن، وهو ناتج عن الالتقاء غير الشرعي، وخطر الإيدز لا يقتصر على طرفيه إنما يتعداها إلى الغير، إذن: من صالح المجتمع كله أن نقيم حد الزنا حتى لا يستشري هذا الداء. ونعجب من هؤلاء الذين يهاجمون شرع الله في مسألة الحدود حين تقضي برجم الزاني المحصن حتى الموت، ألا يعلم هؤلاء أننا نضحي بواحد لنحفظ سلامة الملايين في صحة وعافية؟ ألا يرون ما يحدث مثلا في وباء الطاعون الذي أعجز العلماء حتى الآن، ولم يجدوا له علاجا، وكيف أن الشرع أمرنا إن نزل الطاعون بأرض ألا نذهب إليها، وأمر من فيها ألا يخرجوا منها، لماذا؟ لنحصر هذا الوباء حتى لا يستشري بين الناس. كذلك الحال في مسألة الزنا لأن الزاني لا يقتصر شره عليه وحده، إنما يتعدى شره إلى المجتمع كله، مع مراعاة أن الشرع فرق بين الزاني المحصن وغير المحصن، وكذلك الزانية، ففي حالة الإحصان تتعدد الماءات في المكان الواحد ، لذلك سئلنا في سان فرانسيسكو: لماذا أبحتم تعدد الزوجات، ولم تبيحوا تعدد الأزواج؟ هذا منهم على سبيل قياس الرجل على المرأة: لماذا لا تتزوج المرأة وتجمع بين أربعة رجال؟ قلت: اسألوهم، أليس عندهم أماكن يستريح فيها الشباب جنسيا - يعني بيوت للدعارة - قالوا: نعم في بعض الولايات، قلت: فبماذا احتطتم لصحة المجتمع وسلامته؟ قالوا: نجري عليهم كشفا دوريا كل أسبوع، قلت: وهل هذا الكشف الدوري يستوعب الجميع؟ أم أنه مجرد ششن وعينات عشوائية.

إذن: من الممكن أن يتسرب المرض بين هؤلاء الشباب، وهب أنك أجريت على إحداهن الكشف يوم الأحد مثلا، وفي يوم الاثنين جاءها المرض، فإلى كم واحد سينتقل المرض إلى أن يأتي الأحد القادم؟ فهذه مسألة لا تستطيع السيطرة فيها على الداء. ثم أتجرون هذه الفحوصات على المتزوجين والمتزوجات؟ وهل اكتشفتم بينهم مثل هذه الأمراض؟ قالوا: لا لم يحدث أن اكتشفنا هذا بين المتزوجين. قلت: إذن كان عليكم أن تنتبهوا إلى سبب هذه الداءات، وأنها تأتي من تعدد ماءات الرجال في المكان الواحد لأن كل ماء سياله وله ميكروبات تتصارع، إن اجتمعت في المكان الواحد فينشأ منها المرض. لكن حين يكون للزوجة زوج واحد، فلن نرى مثل هذه الداءات في المجتمع، ومن هنا يأتي دور الوازع الديني، فإن فقد الوازع الديني فلا بد من الوازع الحسي ليزجر مثل هؤلاء ويوقفهم عند حدود الله رغما عنهم، حتى وإن لم يكونوا يؤمنون بها. إذن: هذه أقضية ومشاكل وداءات حدثت للناس بقدر ما أحدثوا من الفجور، وبقدر ما انتهكوا من حرمات الله، وانظر مثلا لمن يضطر للسفر إلى مثل هذه البلاد، كم يكون حذرا مفزعا حين يقيم مثلا في فندق، فيأخذ أدواته الشخصية، ويخاف أن يستعمل أشياء غيره، ويحرص على نظافة المكان وتغيير الفراش قبل أن ينام عليه.. الخ كل هذه الاحتياطات. فالشرع حين يأمر بقتل الزاني أو الزانية إنما فعل ذلك ليسلم المجتمع بأسره، وكثيرا ما نواجه مثل هذه الاعتراضات من أصحاب الرحمة الحمقاء والشعارات الجوفاء، أهم أرحم بالخلق من الخالق؟ ألا يرون للزلزال أو لحوادث السيارات والطائرات التي تحصد الآلاف من الأرواح؟ فلماذا هي الضجة حين نبتر العضو المريض من المجتمع؟ قوله تعالى: ﴿ سورة أنزلناها وفرضناها.. ﴾ [النور: 1] السورة: مأخوذة من سور البيت، وهي طائفة من نجوم القرآن أو آياته محوطة ببداية ونهاية، تحمل أحكاما وقد تكون طويلة كسورة البقرة، أو قصيرة كالإخلاص والكوثر، فليس للسورة كمية مخصوصة لأنها توقيفية. ﴿ أنزلناها.. ﴾ [النور: 1] نفهم من أنزل أن الإنزال من أعلى إلى من هو أدنى منه، كما يكتب الموظف مثلا يريد التظلم لرئيسه: أرفع إليك كذا وكذا، فيقول الأعلى: وأنا أنزلت القرار الفلاني، فالأدنى يرفع للأعلى، والأعلى ينزل للأدنى.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٢٨