وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا..
[النساء: 20]. فأجاز أن يكون المهر قنطارا من ذهب، عندها قال عمر بجلالة قدره: " أصابت امرأة وأخطأ عمر " ليبين أنه لا كبير أمام شرع الله. إذن: هذه مسائل مرسومة ولها أصل، يجب أن تعلم لنرد بها حين نسأل في أمور ديننا. نعود إلى مسألة سؤال أهل المعصية، حيث نفاه القرآن مرة وأثبته أخرى. ونقول: جاء القرآن بأسلوب العرب وطريقتهم، والسؤال في الأسلوب العربي إما سؤال ممن يجهل ويريد المعرفة، كما يسأل التلميذ معلمه، أو يسأل العالم الجاهل لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما يريد. فإذا نفى الله تعالى السؤال، فلا تظنوا أنه يسألكم ليعرف منكم، إنما يسألكم لتقروا لذلك قال سبحانه:
كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
[الإسراء: 14]. إذن: إثبات السؤال له معنى، ونفيه له معنى، فإذا نفى فقد نفى سؤال العلم من جهتهم، وإذا أثبت فقد أثبت سؤال الإقرار من جهتهم لتكون الحجة ألزم لأن الإقرار سيد الأدلة. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال: التلميذ المهمل الذي يتظاهر أمام أبيه بالمذاكرة، فيفتح كتابه ويهز رأسه كأنه يقرأ، فإذا ما سأله والده لم يجده حصل شيئا، فيقول له: ذاكرت وما ذاكرت. ومن ذلك أيضا قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
[الأنفال: 17] هكذا نفي وإثبات في آية واحدة لفاعل واحد، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ فعلا حفنة من الحصى ورمى بها نحو الأعداء، لكن هل في قدرته أن يوصل هذه الحفنة إلى أعين الأعداء جميعا؟ فالعمل والرمي للرسول، والنتيجة والغاية لله عز وجل. ثم يقول الحق سبحانة: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه... ﴾.