تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على ابن مريم والحوارى

للمغالى جزاؤه والمغالى

فيه تنجيه رحمة الغفار

لذلك يقول تعالى لعيسى عليه السلام:

أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله..

[المائدة: 116]. فيقول عيسى:

إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب

[المائدة: 116]. نعم، الله تعالى يعلم ما قال عبده ونبيه عيسى، لكن يريد أن يقر عليهم بأنه كاره لقولهم هذه الكلمة. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما هزم الرومان من الفرس حزن لهزيمة الرومان، لماذا؟ لأنهم أهل كتاب يعرفون الله، ويعرفون البلاغ عن الله، وإن كانوا كافرين به، أما الفرس فكانوا مجوسا يعبدون النار لذلك يطمئنه ربه بقوله:

الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..

[الروم: 1-5]. فإن كانوا لا يؤمنون بمحمد، فهم يؤمنون برب محمد، فالعصبية - إذن - لله أكبر من العصبية للرسول المبلغ عن الله. ثم يقول سبحانه: ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ [المؤمنون: 91]. يصفون بمعنى: يكذبون، لكن عبر عنه بالوصف كأن المعنى: إن أردت أن تعرف الكذب فاسمع إلى كلامهم فهو الوصف الدقيق له، وقال في موضع آخر:

وتصف ألسنتهم الكذب..

[النحل: 62] فكلامهم هو الكذب بعينه، وهو أصدق وصف له لأن الكذب ما خالف الواقع، وهم لا يقولون إلا ما خالف الواقع. كما لو سألت: ما الحماقة؟ فأقول لك: انظر إلى تصرفات فلان، يعني: هي الوصف الصادق للحماقة، والترجمة الواضحة لها، وكأنه بلغ من الوصف مبلغا يجسم لك المعنى الذي تريده. ومعنى: ﴿ سبحان الله.. ﴾ [المؤمنون: 91] تنزه، وهي مصدر وجد قبل أن يوجد المسيح، فهي صفة لله تعالى أزلية، حيث ثبت تنزيه الله قبل أن يخلق الخلق، فلما خلق الله السماء والأرض سبحت لله:

سبح لله ما في السماوات والأرض..

[الحديد: 1] ولم ينقطع التسبيح بعد ذلك، قال الحق سبحانه:

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..

[الجمعة: 1]. وما دام الكل يسبح لله، وما زال مسبحا، فسبح أنت يا محمد:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. فكيف يكون الكون كله مسبحا، ولا تسبح أنت، وأنت سيد هذا الكون؟ ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته العلية: ﴿ عالم الغيب والشهادة فتعالى... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٠٦