تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا..

[الأنبياء: 22]. يعني: لو كان فيهما آلهة الله خارج منها لفسدت السماء والأرض، وكذلك لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا أيضا لأن إلا هنا ليست استثنائية، إنما هي اسم بمعنى غير، وقد ظهر إعرابها على لفظ الجلالة بعدها الله. ومسألة تعدد الآلهة لو تأملتها لبان لك بطلانها، فإن كان مع الله آلهة لاقتسموا هذا الكون فيما بينهم، وجعلوه قطاعات، يأخذ كل منهم قطاعا فيه، فواحد للأرض، وآخر للسماء، وثالث لما بين الأرض والسماء وهكذا. ولكن، هل يستغني قطاع من الكون عن الآخر؟ اتستغني الأرض عن السماء؟ إذن: سيحدث تضارب لا يستقيم معه حال الكون.

كذلك نقول: الإله الذي أخذ الأرض مثلا، لماذا لم يأخذ السماء؟ لا بد أنه أخذ الأرض بقوته، وترك السماء لعجزه، ولا يصلح إلها من وصف بهذه الصفة، فإن قالوا: إنهم جميعا أقوياء يستطيع كل واحد منهم أن يخلق الخلق بمفرده نقول: إذن ما فائدة الآخرين؟ ثم يقول سبحانه: ﴿ إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض.. ﴾ [المؤمنون: 91] يعني: لو استقل كل منهم بقطاع من الكون دون الآخر لفسدت الأمور، كما رأينا في دنيا البشر أن يحاول أحد الملوك أن يستقل بقطاع من الأرض لا حق له فيه، ورأينا ما أحدثه من فساد في الأرض، هذا مثال لقوله تعالى: ﴿ ولعلا بعضهم على بعض.. ﴾ [المؤمنون: 91] وهي صورة من صور الفساد. لذلك يعالج الحق سبحانه هذه القضية ويعلنها على الملأ:

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم..

[آل عمران: 18]. فليس هذا كلامنا، وليست هذه شهادتنا، بل كلام الله وشهادته سبحانه لنفسه، لكن هل علم هؤلاء الآلهة بهذه الشهادة؟ إن علموا بهذه الشهادة فسكوتهم عليها وعدم اعتراضهم عجز، وإن لم يدروا فهم غافلون نائمون، ففي كلتا الحالتين لا يصح أن يكونوا آلهة. وفي موضع آخر يرد عليهم الحق سبحانه:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا..

[الإسراء: 42] يعني في هذه الحالة

لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42] يعني: ذهبوا يبحثون عن الإله الذي أخذ منهم الكون، وتعدى على سلطانهم، إما ليجابهوه ويحاكموه، وإما ليتقربوا إليه. لذلك سيقول عن الذين تدعون أنهم آلهة من دون الله:

يبتغون إلى ربهم الوسيلة..

[الإسراء: 57] يعني: عيسى والعزير والملائكة الذين قلتم إنهم بنات الله، هؤلاء جميعا يتوسلون إلى الله ويتقربون إليه

أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه..

[الإسراء: 57]. وفي موضع آخر يقول تعالى:

لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون..

[النساء: 172]. إنهم لا يستنكفون عن عبوديتهم لله، بل يعتزون بهذه العبودية، ويغضبهم ويسوؤهم أن نقول عنهم آلهة، أو نعطيهم من التقديس أكبر مما يستحقون ذلك لأن ولاءهم وعصبيتهم لله تعالى أكبر من ولائهم وعصبيتهم لأنفسهم. لذلك، فإن هذه الأشياء التي يتخذونها آلهة من دون الله هي أول من يلعنهم، فالأحجار التي عبدوها من دون الله - مع أن كلمة العبادة هنا خطأ ونقولها تجاوزا لأن العبادة طاعة العابد لأمر المعبود، وانتهاؤه ينهيه، والأحجار ليس لها أوامر وليس لها نواه - هذه الأحجار أعبد منهم لله، وأعرف منهم بالله لذلك تكرههم الحجارة وتلعنهم، وتتحول عليهم في القيامة نارا تحرقهم. اقرأ هذا الحوار الذي يتنافس فيه غار حراء الذي شهد بداية الوحي وأنس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول آيات القرآن، وغار ثور الذي احتمى فيه رسول الله عند الهجرة، وكلاهما أحجار، يقول الشاعر:

كم حسدنا حراء حين ترى

الروح أمينا يغذوك بالأنوار

فحراء وثور صارا سواء

بهما اشفع لدولة الأحجار

عبدونا ونحن أعبد لله

من القائمين بالأسحار

تخذوا صمتنا علينا دليلا

فغدونا لهم وقود النار

قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٠٥