تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك كان الناس في الماضي ينكرون نظرية كروية الأرض، حتى بعد أن التقطوا لها صورا أظهرت كرويتها وجدنا من مفكرينا من ينكر ذلك. ونقول: لماذا نقف هذا الموقف من نظريات ثابتة قد سبق قرآننا إلى هذا القول؟ ولماذا نعطي الآخرين فكرة أن ديننا يغفل هذه المسائل، مع أنه قد سبق كل هذه الاكتشافات؟ ولو تأملت قوله تعالى:

وهو الذي مد الأرض..

[الرعد: 3] لوجدت فيه الدليل القاطع على صدق هذه النظرية لأن الأرض الممدودة هي التي لا تنتهي إلى حافة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت الأرض كروية بحيث تسير فيها، لا تجد لها نهاية حتى تصل إلى الموضع الذي منه بدأت، ولو كانت الأرض على أي شكل آخر غير الكروي مثل المربع أو المستطيل لكان لها نهاية. لكن لم تتوفر لنا في الماضي الآلات التي توضح هذه الحقيقة وتظهرها. إذن: الحق سبحانه في قوله: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ [المؤمنون: 80] ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية لأنها ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عز وجل، ولماذا يعمل الإنسان عقله ويتفنن مثلا في ارتكاب الجرائم فيرتب لها ويخطط؟ لكن الله تعالى يكون له بالمرصاد فيوقعه في مزلق، فيترك وراءه منفذا لإثبات جريمته، وثغرة توصل إليه لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه الثغرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لقد استخدمت عقلك فيما لا ينبغي، وسخرته لشهوات نفسك، فلا بد أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه أمرك، فإن سترتها عليك مرة فإياك أن تتمادى، أو تظن أنك أفلت بعقلك وترتيبك وإلا أخذتك ولو بجريمة لم تفعلها لأنك لا تستطيع أن ترتب بعقلك على الله، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب. كما لو فضح إنسان بأمر هو منه بريء، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة، فتأتي عدالة السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاء لما قد أصابه في الأولى، وهذه مسألة لا يفعلها إلا رب. والحق - سبحانه وتعالى - حينما ينبه العقل ويثيره: تفكر، تدبر، تعقل، ليدرك الأشياء الكونية من حوله، فهذا دليل على أنه سبحانه واثق من صنعته وإبداعه لكونه لذلك يثير العقول للبحث وللتأمل في هذه الصنعة. وهذه المسألة نلاحظها فيمن يعرض صنعته من البشر، فالذي يتقن صنعته يعرضها ويدعوك إلى اختبارها والتأكد من جودتها على خلاف الصنعة الرديئة التي يلفها لك صانعها، ويصرفك عن تأملها حتى لا تكشف عيبها. فحين ينبهك ربك إلى التأمل في صنعته فعليك أن تدرك المغزى من هذه الإثارة لتصل إلى مراده تعالى لك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ بل قالوا مثل ما قال... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٩٩