تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى

[الليل: 1-2] وطالما أن لكل منهما مهمته، فإياك أن تقلب الليل إلى نهار، أو النهار إلى ليل لأنك بذلك تخالف الطبيعة التي خلقك الله عليها، وانظر إلى هؤلاء الذين يسلكون هذا المسلك فيسهرون الليل حتى الفجر، وينامون النهار حتى المغرب، وكم أحدثوا من فساد في حركة الحياة، فالتلميذ ينام في الدرس، والعامل ينام ويقصر في أداء عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله:

"... أطفئوا المصابيح إذا رقدتم "

لأن الجسم لا يأخذ راحته، ولا يهدأ إلا في الظلمة، فيصبح الإنسان قويا مستريحا نشيطا، واقرأ قول الله تعالى:

وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا

[النبأ: 10-11]. ومن دقة الأداء القرآني أن يراعي هؤلاء الذين يعملون ليلا، وتقتضي طبيعة أعمالهم السهر، مثل رجال الشرطة وعمال المخابز وغيرهم، فيقول تعالى:

ومن آياته منامكم باليل والنهار..

[الروم: 23] فالليل هو الأصل، والنهار لمثل هؤلاء الذين يخدمون المجتمع ليلا لذلك عليهم أن يجعلوا من النهار ليلا صناعيا، فيغلقوا النوافذ ويناموا في مكان هادئ ليأخذ الجسم حظه من الراحة والهدوء. إذن: الليل والنهار ليسا ضدين، إنما هما خلقان متكاملان لا متعاندان، وهما كالذكر والأنثى، يكمل كل منها الآخر، لا كما يدعي البعض أنهما ضدان متقابلان لذلك بعد أن أقسم الحق سبحانه بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا تجلى، قال:

وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى

[الليل: 3-4] فالليل والنهار كالذكر والأنثى لكل منهما مهمة في حركة الحياة. واختلاف الليل والنهار من حيث الضوء والظلمة والطول والقصر وفي اختلاف الأماكن، فالليل لا ينتظم الكون كله، وكذلك النهار، فحين يكون عندك ليل فهو عند غيرك نهار، يقول تعالى:

يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل..

[فاطر: 13]. وينتج عن هذا تعدد المشارق والمغارب بتعدد الأماكن بحيث كل مشرق يقابله مغرب، وكل مغرب يقابله مشرق، لدرجة أنهم قالوا: ينشأ ليل ونهار في كل واحد على مليون من الثانية. وينشأ عن هذا كما قلنا استدامة ذكر الله على مدى الوقت كله، بحيث لا ينتهي الأذان، ولا تنتهي الصلاة في الكون لحظة واحدة، فأنت تصلي المغرب، وغيرك يصلي العشاء.. وهكذا. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون مذكورا في كل الكون بجميع أوقات الصلاة في كل وقت. حتى إن أحد الصوفية وأهل المعرفة يقول مخاطبا الزمن: يا زمن وفيك كل الزمن. يعني: يا ظهر وفيك عصر ومغرب وعشاء وفجر، لكن عند غيري. ومن اختلاف الليل والنهار ينشأ أيضا الصيف الحار والشتاء البارد، والحق سبحانه وتعالى كلف العبيد كلهم تكليفا واحدا كالحج مثلا، وربط العبادات كلها بالزمن الهجري، فالصيف والشتاء يدوران في الزمن، ويتضح هذا إذا قارنت بين التوقيت الهجري والميلادي، وبذلك من لم يناسبه الحج في الصيف حج في الشتاء لأن اختلاف التوقيت القمري يلون السنة كلها بكل الأجواء. لذلك قالوا: إن ليلة القدر تدور في العام كله لأن السابع والعشرين من رمضان يوافق مرة أول يناير، ومرة يوافق الثاني، ومرة يوافق الثالث، وهكذا. ومن اختلاف الليل والنهار أنهما خلفة، كما قال تعالى:

وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا

[الفرقان: 62]. فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن احكم القضية في كل أطوار زمنها، فما دام الحق - سبحانه وتعالى - جعل الليل والنهار خلفة، فلا بد أن يكون ذلك من بداية خلقهما، فلو وجد الليل أولا ثم وجد النهار، فلا يكون الليل خلفة لأنه لم يسبقه شيء، فهذا يعني أنهما خلقا معا، فلما دار الزمن خلف بعضهما الآخر، وهذا لا ينشأ إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث يجتمع فيها الليل والنهار في وقت واحد، فالذي واجه الشمس كان نهارا، والذي واجه الظلمة كان ليلا. ثم يقول سبحانه: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ [المؤمنون: 80] لأن هذه المسائل كان يجب أن تعقلوها خاصة، وقد كانت اختلافات الأوقات مبنية على التعقل، أما الآن فهي مبنية على النقل، حيث تقاربت المسافات، وصرنا نعرف فارق التوقيت بيننا وبين جميع أنحاء العالم بالتحديد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٩٨