إذن: فهذا ترتيب خلقي وتكويني. كما أن السمع وهو أول حاسة تؤدي مهمتها في الإنسان هو أيضا الإدراك الوحيد الذي يصاحب الإنسان في كل أطواره، فالأذن تسمع مثلا حتى في حالة النوم على خلاف العين ذلك لأن بالسمع يتم الاستدعاء، لذلك تظل تؤدي مهمتها حتى في حال النوم. كما أن العين لا ترى في الظلام ولها غطاء طبيعي ومغاليق تحجب الرؤية، وليست الأذن كذلك، فالصوت إذا خرج تسمعه جميع الآذان، أما المرئي فقد يوجد معك في نفس المكان ولا تراه وقد يراه غيرك، إذن: فالمسموع واحد والمرائي متعددة، لذلك قال سبحانه: ﴿ السمع والأبصار.. ﴾ [المؤمنون: 78]. فليس لك خيار في السمع، لكن لك خيار في الرؤية، فالمبصرات تتعدد بتعدد الأبصار، لكن السمع لا يتعدد بتعدد الأسماع. لذلك من إعجازات البيان القرآني في قصة أهل الكهف أن الله تعالى ضرب على آذانهم في الكهف ليناموا ولا تزعجهم الأصوات في هذه الصحراء الدوية، ولو بقي لهم السمع كشأن الخلق جميعا لما استقر لهم قرار طوال هذه الفترة الطويلة، ولأفزعتهم الأصوات. يقول الحق سبحانه وتعالى:
فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا
[الكهف: 11]. كذلك من آيات الإعجاز في القرآن الكريم أن جميع الآيات التي ذكرت السمع والبصر ذكرته بهذا الترتيب: السمع والأبصار، إلا في آية واحدة في موقف القيامة قالوا:
ربنآ أبصرنا وسمعنا..
[السجدة: 12]. فقدم البصر على السمع لأن في القيامة تفجؤهم المرائي أولا قبل أن تفجأهم الأصوات، وهذه من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز. وكأن الحق سبحانه يقول: لا عذر لك عندي فقد أعطيتك سمعا لتسمع البلاغ عني من الرسول، وأعطيتك عينا لتلتفت إلى آيات الكون، وأعطيتك فؤادا تفكر به، وتنتهي إلى حصيلة إيمانية تدلك على وجود الخالق عز وجل. إذن: ما أخذتك على غرة، ولا خدعتك في شيء، إنما خلقتك من عدم، وأمددتك من عدم، ورتبت لك منافذ الإدراك ترتيبا منطقيا تكوينيا، فأي عذر لك بعد ذلك.. وإياكم بعد هذا كله أن تشغلكم الأهواء، وتصرفكم عن البلاغ الذي جاءكم على لسان رسولنا. والمتأمل في تركيب كل من الأذن والعين يجد فيهما آيات ومعجزات للخالق - عز وجل - ما يزال العلماء لم يصلوا رغم تقدم العلوم إلى أسرارها وكنهها. ثم يقول سبحانه في ختام الآية: ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ [المؤمنون: 78] لأن هذه نعم وآلاء وآيات لله، كان ينبغي أن تشكر حق الشكر.
البعض يقول في معنى ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ [المؤمنون: 78] أنه تعالى عبر عن عدم الشكر بالقلة، وهذا الفهم لا يستقيم هنا لأن الله تعالى أثبت لعباده شكرا لكنه قليل، وربك - عز وجل - يريد شكرا دائما يصاحب كل نعمة ينعم بها عليك، فساعة ترى الأعمى الذي حرم نعمة البصر يتخبط في الطريق تقول الحمد لله، تقولها هكذا بالفطرة لأنك تعيش وتتقلب في نعم الله، لكن لا تتذكرها إلا حين ترى من حرم منها. لذلك، إن أردت أن تدوم لك النعمة فاعقلها بذكر الله المنعم قل عند النعمة، أو عند رؤية ما يعجبك في أهل أو مال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ألا ترى أن الله تعالى جعل الحسد لينبهنا: إن أردت صيانة النعمة فلا تنس المنعم لأنه وحده القادر على حفظها وصيانتها، كما نشتري الآن آلة، ونتفق مع صانعها على صيانتها صيانة دورية مقابل أجر معين. كذلك إن قلت عند النعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فلن ترى فيها سوء أبدا، لأنك أيقظت ب " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " قانون صيانتها، وجعلت حفظها إلى من صنعها. ولا يصاب الإنسان في النعمة إلا إذا غفل عن المنعم وترك الشكر عليها. وأذكر أنه كان في قريتنا رجل من أهل الفهم عن الله، وكان يملك ثلث فدان يزرعه المزروعات التقليدية، وفي أحد الأعوام زرعه قطنا، فجاءت عليه الدودة وكادت تهلكه، فكلمه والدي في مسألة الدودة هذه فقال له: يا عم متولي لا تقلق فأنا أؤدي صيانتها يعني: أخرج منها الزكاة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وهو الذي ذرأكم في الأرض... ﴾.