لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت
كفاه بالجود حتى أشبه الديما
فإنها خطرات من وساوسه
يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ومن أشهر قصائد الشعر العربي في الكرم هذه القصيدة التي تأصل فيها هذا الخلق حتى عند الأطفال، وحتى أن الأب يهم بذبح ولده للضيف، لأنه لم يجد ما يذبحه لقراه. ويقول فيها الشاعر:
وطاو ثلاثا عاصب البطن مرمل
ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما
أخي جفوة فيه من الأنس وحشة
يرى البؤس فيها من شراسته نعمى
رأى شبحا وسط الظلام فراعه
فلما رأى ضيفا تشمر واهتما
وقال هيا رباه ضيف ولا قرى!!
بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
وأفرد في شعب عجوزا إزاءها
ثلاثة أشباح تخالهموا بهما
حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة
ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما
فقال ابنه لما رآه بحيرة
أيا أبت اذبحني ويسر لهم طعما
ولا تعتذر بالعدم على الذي طرا
يظن لنا مالا فيوسعنا ذما
فروى قليلا ثم أحجم برهة
وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما
فبينا هما عنت على البعد عانة
قد انتظمت من خلف مسحلها نظما
عطاشا تريد الماء فانساب نحوها
على أنه منها إلى دمها أظما
فأمهلها حتى تروت عطاشها
وأرسل فيها من كنانته سهما
فخرت نحوص ذات جحش قد
اكتنزت لحما وقد طبقت شحما
فيا بشره إذ جرها نحو قومه
ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى
وبات أبوهم من بشاشته أبا
لضيفهموا والأم من بشرها أما
لقد تأصلت خصلة الكرم في العربي، حتى في الأطفال الصغار، فهو وإن كان فقيرا لكن لا يحب أن يعرف عنه الفقر، يحب أن يظهر في صورة الغني الكريم المعطاء، وإن ناقض ذلك صفات أخرى ذميمة فيه. والشاهد أنهم جماعة تناقضت خصالهم، وقد عاشوا في أمية تامة فلم يعالجوا حضارة، وهذه حسبت لهم بعد ظهور الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم، فكيف لمثل هؤلاء أن يأتوا بهذه المعاني والأساليب العالية التي تحكم العالم كله؟ ولو كانوا أهل علم وحضارة لقالوا عنهم وعن الإسلام: إنه قفزة حضارية. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا لقالوا: قرأ لفلان وفلان، كما حكى عنهم الحق سبحانه وتعالى:
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر..
[النحل: 103]. إذن: فذكر العرب وشرفهم ومجدهم وكرامتهم في القرآن، ومع ذلك لم يعملوا حتى لمصلحتهم، ولم يهتموا بهذا القرآن، إنما أعرضوا عنه ﴿ فهم عن ذكرهم معرضون ﴾ [المؤمنون: 71]. أي: عن القرآن، وهذا دليل أنهم كانوا مغفلين، لا يعرفون حتى مصلحتهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير... ﴾.