أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
لقد استكبر هؤلاء على الأمة كلها بالبيت، ومع ذلك ما حفظوا حرمته، وجعلوه مكانا للسمر وللهجر وللسفه وللطيش، ولكل ما لا يليق به، فالقرآن عندهم أساطير الأولين، ومحمد عندهم ساحر وكاهن وشاعر ومجنون.. وهكذا. والحق - سبحانه وتعالى - ينبهكم إلى أن ضروريات حياتكم هبة منه سبحانه وتفضل، فحينما جاءكم أبرهة ليهدم هذا البيت العتيق، وينقل هذه العظمة وهذه القداسة إلى الحبشة، ولم يكن لكم طاقة لرده ولا قدرة على حماية البيت، فلو هدمه لضاعت هيبتكم وسيادتكم بين القبائل، ولتجرأوا عليكم كما تجرأوا على غيركم، لكن حمى الله بيته، ودافع عن حرماته، حتى إن الفيل نفسه وعى هذا الدرس، ووقف مكانه لا يتحرك نحو البيت خاصة، ويوجهونه في أي ناحية أخرى فيسير. ويروى أن أحدهم قال للفيل يخاطبه: ابرك محمود وارجع راشدا - يعني: انفد بجلدك لأنك في بلد الله الحرام، وكما قال الشاعر:
حبس الفيل بالمغمس حتى
صار يحبو كأنه معقور
وهكذا ردهم الله مقهورين مدحورين، وحفظ لكم البيت، وأبقى لكم السيادة. لذلك لاحظ الانتقال من سورة الفيل إلى سورة قريش، يقول تعالى:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول
[الفيل: 1-5] يعني: مثل التبن والفتات الذي تذروه الرياح. ثم يقول في أول قريش:
لإيلاف قريش
[قريش: 1] يعني ما حل بأصحاب الفيل، فاللام في لإيلاف لام التعليل، يعني: حل ما حل بأصحاب الفيل لتألف قريش ما اعتادته من رحلة الشتاء والصيف
إيلافهم رحلة الشتآء والصيف
[قريش: 2] وما دام أن الله تعالى قد حماكم وحمى لكم البيت، وحفظ لكم السيادة كان ينبغي عليكم أن تعبدوه وحده لا شريك له
فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 3-4]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت... ﴾.